رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

شحاتة زكريا يكتب: الاستقرار.. الثروة التي لا تقدر بثمن

شحاتة زكريا
شحاتة زكريا

قد تختلف الدول في حجم ثرواتها وفي قدراتها الاقتصادية وفي ما تمتلكه من موارد طبيعية أو نفوذ سياسي لكن هناك ثروة واحدة إذا امتلكتها الدولة استطاعت أن تبني كل شيء وإذا فقدتها أصبح كل ما تملكه مهددا بالضياع. إنها الاستقرار تلك القيمة التي لا تقاس بالأرقام ولا تدرج في الموازنات العامة لكنها تظل الأساس الذي تبنى عليه الأوطان وتنمو في ظله الاقتصادات وتزدهر به المجتمعات.. ولسنوات طويلة كان كثيرون ينظرون إلى الاستقرار باعتباره أمرا طبيعيا أو واقعًا دائما لا يحتاج إلى جهد للحفاظ عليه.

 لكن ما شهدته المنطقة والعالم خلال العقد الأخير أثبت أن الاستقرار ليس هبة مجانية ولا نتيجة للصدفة بل هو حصيلة مؤسسات قوية وقيادة تدرك طبيعة التحديات ومجتمع يعي قيمة الدولة ويؤمن بأن الفوضى لا تبني مستقبلا.. يكفي أن نتأمل خريطة العالم اليوم لندرك حجم الحقيقة. دول كانت تصنف ضمن الاقتصادات الصاعدة فإذا بها تواجه اضطرابات سياسية أوقفت عجلة التنمية.

 ودول امتلكت ثروات هائلة لكنها دفعت أثمانا باهظة عندما فقدت الاستقرار فتحولت الموارد إلى عبء وتراجع الاستثمار وهاجر رأس المال وغابت الثقة وتراجع الأمل.. ففي السياسة قد تعوض خسارة موقف وفي الاقتصاد قد تُعوض خسارة صفقة أما خسارة الاستقرار فهي من أكثر الخسائر كلفة لأن إعادة بنائه تحتاج إلى سنوات طويلة، وربما إلى أجيال كاملة.. لقد أثبتت التجارب أن المستثمر لا يبحث فقط عن سوق كبيرة أو عائد مرتفع بل يبحث قبل كل شيء عن بيئة مستقرة وقانون واضح ومؤسسات تعمل وقدرة على التنبؤ بالمستقبل. 

فالمال بطبيعته يهرب من الفوضى ويتجه إلى حيث يشعر بالأمان. ولهذا فإن الاستقرار لم يعد مجرد قضية سياسية بل أصبح أحد أهم عناصر التنافس الاقتصادي بين الدول...كما أن التنمية نفسها لا يمكن أن تزدهر في بيئة مضطربة. فلا جامعة تستطيع أن تؤدي رسالتها في ظل الفوضى ولا مصنع يمكن أن يواصل إنتاجه وسط الاضطرابات ولا مشروع استثماري يستطيع أن يحقق أهدافه إذا كانت بيئة العمل غير مستقرة. ولهذا فإن كل خطوة نحو التنمية تبدأ بخطوة نحو الاستقرار.. لكن الاستقرار الحقيقي لا يعني الجمود ولا يعني غياب الاختلاف ولا يقوم على إسكات الأصوات أو تجميد الحوار. فالاستقرار المستدام هو الذي يقوم على مؤسسات قوية وقانون يُطبق على الجميع، وعدالة تعزز الثقة واقتصاد يمنح الناس الأمل في الغد ومجتمع يدرك أن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى انقسام.. ولعل أخطر ما تواجهه الدول اليوم أن مفهوم الاستقرار لم يعد مرتبطا فقط بالأمن التقليدي. فهناك استقرار اقتصادي واستقرار اجتماعي واستقرار رقمي واستقرار في سلاسل الإمداد وحتى استقرار نفسي داخل المجتمعات التي تواجه ضغوطا متزايدة بفعل الأزمات العالمية. ومن هنا أصبح الحفاظ على الاستقرار مهمة أكثر تعقيدا من أي وقت مضى.. إن الدولة التي تنجح في مواجهة التضخم وتؤمن احتياجات مواطنيها وتحافظ على مؤسساتها وتدير أزماتها بحكمة لا تحمي حاضرها فقط بل تبني ثقة تمتد إلى المستقبل.

 فالثقة هي الوجه الآخر للاستقرار وكلما ازدادت ثقة المواطن في دولته ازدادت قدرة الدولة على تجاوز التحديات مهما بلغت صعوبتها. وفي هذا السياق، تبدو التجربة المصرية جديرة بالتأمل. فمصر تتحرك في إقليم يعد من أكثر أقاليم العالم اضطرابا تحيط به أزمات ممتدة وصراعات معقدة وتحديات اقتصادية متلاحقة. ومع ذلك، ظل الحفاظ على استقرار الدولة أحد المرتكزات الأساسية في إدارة المرحلة انطلاقا من إدراك أن أي مشروع للتنمية لن يكتب له النجاح إذا افتقد البيئة المستقرة التي تسمح له بالنمو.. ولا يعني ذلك أن الطريق كان سهلا أو أن التحديات قد انتهت فالعالم كله يواجه ضغوطا اقتصادية غير مسبوقة لكن الفارق الحقيقي بين الدول لا يكمن في غياب الأزمات بل في قدرتها على إدارتها دون أن تفقد توازنها.. ومن هنا يصبح الوعي المجتمعي شريكا أساسيا في حماية الاستقرار. فالشائعات، وخطابات الكراهية، ومحاولات بث الإحباط لم تعد مجرد ظواهر إعلامية بل تحولت في كثير من الأحيان إلى أدوات تستهدف إضعاف الثقة وإرباك المجتمعات والتأثير في قدرتها على الصمود. 

ولذلك فإن بناء الوعي لم يعد عملا ثقافيا فقط بل أصبح جزءا من منظومة الأمن الوطني.. كما أن الاستقرار لا يتحقق بقرار سياسي فقط بل يحتاج إلى اقتصاد منتج وتعليم قادر على إعداد أجيال مؤهلة وإعلام مسؤول ومؤسسات تعمل بكفاءة وعدالة يشعر بها الجميع. فهذه العناصر مجتمعة هي التي تجعل الاستقرار راسخا لا مؤقتا.. لقد علمتنا تجارب الأمم أن الدول التي جعلت من الاستقرار منصة للانطلاق استطاعت أن تحقق قفزات كبيرة في التنمية، بينما ظلت الدول التي استنزفتها الصراعات تدور في دائرة مغلقة مهما امتلكت من إمكانات.. وفي عالم يموج بالتقلبات ويشهد تغيرات متسارعة في الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا لم يعد الاستقرار رفاهية يمكن تأجيلها ولا شعارا يرفع في المناسبات بل أصبح أصلا من أصول القوة الوطنية وشرطا أساسيا لبناء المستقبل.. ولهذا فإن الحفاظ على الاستقرار ليس مسؤولية الدولة وحدها بل مسؤولية المجتمع بأكمله لأنه الثروة التي تفتح أبواب التنمية وتجذب الاستثمار وتحمي المؤسسات وتمنح الأجيال القادمة فرصة أن تبدأ من حيث انتهى السابقون لا أن تعيد بناء ما هدمته الفوضى.فالاستقرار ليس مجرد غياب للأزمات بل هو القدرة على مواجهتها دون أن تهتز الدولة، أو يفقد المجتمع ثقته أو تتوقف مسيرة البناء. ولذلك سيظل الاستقرار في عالم تتزايد فيه العواصف الثروة التي لا تقدر بثمن والأساس الذي تبنى عليه كل الثروات الأخرى.

تم نسخ الرابط