شحاتة زكريا يكتب: ثمن الغفلة أكبر مما نظن
ليست كل الخسائر تبدأ بصوت مرتفع ولا كل الأزمات تعلن عن نفسها منذ اللحظة الأولى. فبعضها يبدأ بصمت ويتسلل إلى حياتنا خطوة بعد أخرى حتى يصبح واقعا يصعب تغييره. وهذا هو الوجه الحقيقي للغفلة فهي لا تأتي دفعة واحدة وإنما تبدأ بتأجيل، أو استهانة، أو اعتقاد بأن الوقت ما زال طويلا وأن الفرصة ستظل متاحة دائما...في حياة الأفراد كما في حياة الأمم لا تكون المشكلة في الخطأ وحده بل في تجاهله. فكثير من الأزمات كان يمكن تجنبها لو التفتنا إليها في بدايتها وكثير من الفرص ضاعت لأن أصحابها ظنوا أن الغد سيمنحهم فرصة أخرى. لكن الحياة لا تسير دائما بهذه البساطة فالوقت لا يعود والفرص لا تتكرر بالصورة نفسها...ولعل أخطر ما يميز عصرنا أن سرعة الأحداث قد تدفع الإنسان إلى الانشغال بما هو عاجل على حساب ما هو مهم. نتابع الأخبار لحظة بلحظة ونتفاعل مع تفاصيل لا تنتهي لكننا قد نغفل عن أمور أكثر تأثيرًا في مستقبلنا؛ عن تعليم أبنائنا وعن بناء شخصياتهم وعن علاقتنا بأسرنا وعن تطوير أنفسنا وعن مسؤوليتنا تجاه المجتمع الذي نعيش فيه.
الغفلة لا تعني غياب المعرفة بل قد تعني امتلاك المعلومات دون تحويلها إلى عمل. نعرف أهمية القراءة لكننا لا نقرأ. وندرك قيمة الوقت لكننا نهدره. ونتحدث كثيرا عن الأخلاق لكننا لا نمنحها ما تستحقه من حضور في سلوكنا اليومي. وهنا تكمن المشكلة فالفجوة بين ما نعرفه وما نمارسه قد تكون أكبر من فجوة الجهل نفسه.. وفي المجال الاجتماعي تدفع المجتمعات ثمنًا باهظا عندما تتراجع قيم المسؤولية والاهتمام بالآخرين. فالكلمة الجارحة التي تقال في لحظة غضب قد تترك أثرًا طويلا والإشاعة التي تنتشر بلا تحقق قد تسيء إلى أبرياء واللامبالاة تجاه مشكلة صغيرة قد تجعلها أكثر تعقيدا مع مرور الوقت. ولهذا لم تكن المسؤولية الأخلاقية ترفا بل ضرورة لحماية تماسك المجتمع.
أما داخل الأسرة فإن الغفلة قد تكون أكثر إيلاما. فكم من أب انشغل بتوفير متطلبات الحياة ولم ينتبه إلى أن أبناءه يحتاجون إلى حضوره قبل حاجتهم إلى المال. وكم من أم أنهكتها المسؤوليات فغابت لحظات الحوار التي تصنع الثقة داخل البيت. إن الأسرة لا تضعف فجأة وإنما تتأثر عندما تغيب التفاصيل الصغيرة التي تمنحها الدفء جلسة هادئة وكلمة تشجيع واستماع صادق واهتمام حقيقي.
وفي بيئة العمل أيضا لا يتحقق النجاح بالشعارات وإنما باليقظة والانضباط والإتقان. فالمؤسسات التي تتقدم هي التي تراجع أداءها باستمرار وتتعلم من أخطائها وتدرك أن الإهمال الصغير اليوم قد يتحول إلى أزمة كبيرة غدا. ومن هنا تصبح ثقافة المراجعة والتطوير جزءا من صناعة النجاح لا مجرد إجراء إداري.. وعلى مستوى الوطن فإن الوعي هو الحصن الأول في مواجهة التحديات. فالمواطن الواعي لا ينجرف خلف الشائعات ولا يصدر أحكامه قبل التحقق ويدرك أن الحفاظ على الاستقرار مسؤولية مشتركة وأن البناء الحقيقي يبدأ بإتقان كل فرد لعمله واحترامه للقانون وحرصه على المصلحة العامة.. لقد علمتنا تجارب التاريخ أن الأمم التي انتبهت مبكرا لتحدياتها استطاعت أن تحول الأزمات إلى فرص بينما دفعت أمم أخرى ثمن التأخر في اتخاذ القرار أو الاستخفاف بالمؤشرات الأولى للمشكلات. فالرؤية البعيدة والقدرة على قراءة الواقع والاستعداد للمستقبل ليست ترفا فكريا بل من أهم مقومات النجاح والاستقرار.. ولا تقتصر الغفلة على الشأن العام بل تمتد إلى الإنسان نفسه. فقد ينشغل سنوات بتحقيق مكاسب مادية ثم يكتشف أنه أهمل صحته، أو أسرته، أو تطوير علمه، أو بناء علاقاته الإنسانية. وعندها يدرك أن ما فقده لا يعوضه أي نجاح آخر. فالتوازن بين متطلبات الحياة هو أحد أهم أسرار الحياة المستقرة.
ولأن الإنسان بطبيعته يخطئ فإن الفضيلة ليست في ادعاء الكمال وإنما في سرعة المراجعة والتصحيح. فالمجتمعات الحية هي التي تمتلك شجاعة الاعتراف بالخطأ وإرادة التعلم منه وعدم تكراره. أما الإصرار على الغفلة فهو الطريق الأقصر إلى خسائر كان يمكن تجنبها.. إننا في حاجة إلى ثقافة جديدة تجعل السؤال الدائم: ماذا يمكن أن نفعل اليوم قبل أن تصبح المشكلة أكبر؟ وكيف نستثمر وقتنا فيما ينفع؟ وكيف نبني أبناءنا بالقدوة قبل الكلمات؟ وكيف نحافظ على قيمنا في زمن تتغير فيه الأشياء بسرعة؟ إن ثمن الغفلة أكبر مما نظن لأنه لا يدفع دفعة واحدة بل يُقتطع من أعمارنا ومن علاقاتنا ومن فرصنا ومن مستقبل أبنائنا. أما اليقظة فهي ليست خوفا من المستقبل بل استعداد له وليست تشاؤما بل وعيا يدفع إلى العمل.. ولهذا فإن أعظم استثمار يمكن أن يقدمه الإنسان لنفسه ولمجتمعه هو أن يبقى حاضر العقل يقظ الضمير مدركا أن التفاصيل الصغيرة التي ننتبه إليها اليوم، قد تكون هي التي تصنع غدًا أكثر أمنًا، وأكثر استقرارا وأكثر قدرة على مواجهة تحديات الزمن.
