رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

شحاتة زكريا يكتب: العالم يركض.. لكن إلى أين؟

شحاتة زكريا
شحاتة زكريا

لم يسبق للبشرية أن امتلكت هذا القدر الهائل من وسائل الحركة والاتصال والمعرفة كما تمتلكه اليوم ولم يسبق للإنسان أن استطاع أن يقطع المسافات بهذه السرعة أو أن يصل إلى المعلومات بهذه السهولة أو أن ينجز أعماله بهذه الكفاءة الظاهرة. ومع ذلك لم يسبق أيضا أن شعر الإنسان بهذا القدر من القلق والحيرة والتشتت.


العالم يركض... المدن لا تنام والأسواق لا تتوقف والشاشات لا تهدأ والأخبار تتدفق بلا انقطاع والتكنولوجيا تتطور بوتيرة تجعل ما كان حديثًا بالأمس يبدو قديمًا اليوم. الجميع في سباق مفتوح أفرادا ومؤسسات ودولا لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: إلى أين نتجه؟ لقد أصبح الزمن نفسه سلعة نادرة. الناس يركضون وراء الوظائف، والترقيات، والأرباح، والمكانة الاجتماعية، وعدد المتابعين، ومظاهر النجاح التي تفرضها ثقافة العصر. أصبح الإنجاز مطلوبا في كل لحظة وكأن التوقف للتأمل نوع من التأخر أو أن التفكير العميق رفاهية لم يعد أحد يملك وقتا لها.

وفي خضم هذا الركض المتواصل يبدو أن البشرية حققت الكثير من التقدم المادي لكنها في المقابل تواجه أزمة من نوع آخر أزمة المعنى.. فكلما ازدادت وسائل الاتصال ازدادت مشاعر الوحدة. وكلما ارتفعت معدلات الرفاهية في بعض المجتمعات ارتفعت معها معدلات القلق والاكتئاب. وكلما توسعت الخيارات أمام الإنسان أصبح أكثر حيرة في اختيار طريقه.

 لقد نجح العالم في الإجابة عن أسئلة كثيرة تتعلق بكيف نعيش لكنه لا يزال يعاني في الإجابة عن سؤال أكثر أهمية: لماذا نعيش؟ وربما تكمن المفارقة الكبرى في أن الإنسان المعاصر أصبح يعرف كل شيء تقريبا عن العالم من حوله لكنه أصبح أقل معرفة بنفسه. يعرف أخبار القارات البعيدة في لحظتها لكنه قد لا يعرف ما الذي يمنحه السكينة أو ما الذي يريده حقا من الحياة.  

ومن هنا تبدو الأزمة أعمق من مجرد ضغوط اقتصادية أو تحديات سياسية. إنها أزمة اتجاه. فحين يفقد الإنسان بوصلته تصبح السرعة بلا قيمة. بل إن الإسراع في الطريق الخطأ قد يكون أخطر من البطء في الطريق الصحيح.. وليس الأفراد وحدهم من يعيشون هذه الحالة بل الدول أيضا. فالعالم يشهد سباقات محمومة في الاقتصاد والتكنولوجيا والتسلح والنفوذ بينما تتراجع أحيانا الأسئلة المتعلقة بالإنسان ذاته بالعدالة، والكرامة، والتعليم، والثقافة، وجودة الحياة.

إن التقدم الحقيقي لا يقاس فقط بما نملكه من أدوات بل بما نحققه من توازن. فليست الحضارة أن نبني أبراجا أعلى فحسب بل أن نبني إنسانا أكثر وعيا. وليست القوة أن نضاعف الإنتاج فقط بل أن نحافظ على المعنى الذي يجعل لهذا الإنتاج قيمة.


ولعل أخطر ما يواجه عصرنا أن الضجيج أصبح أعلى من الحكمة وأن الانشغال بالتفاصيل اليومية بات يطغى على التفكير في الصورة الكبرى. أصبح كثيرون يتحركون بسرعة هائلة دون أن يتوقفوا ليسألوا أنفسهم: ما الغاية؟ وما الوجهة؟ وما الثمن الذي ندفعه في سبيل هذا الركض المستمر؟ إن التاريخ يعلمنا أن الأمم التي عرفت وجهتها استطاعت أن تتجاوز الأزمات مهما كانت التحديات.

 أما الأمم التي انشغلت بالحركة دون رؤية فقد استهلكتها الدوائر المغلقة من الصراع والتنافس والارتباك.. ولذلك فإن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من السرعة فقط بل إلى مزيد من البصيرة. ليست إلى مزيد من الحركة بل إلى وضوح الاتجاه. فالعالم لا يعاني من نقص في الوسائل بل من حاجة متزايدة إلى الحكمة التي تحدد الغايات.

ويبقى السؤال معلقا فوق ضجيج العصر كله:
إذا كان العالم يركض بهذه السرعة... فهل يعرف حقا إلى أين يذهب؟ أم أننا جميعا أصبحنا نتحرك أكثر بينما نفكر أقل؟
ذلك هو السؤال الذي سيحدد شكل المستقبل ليس للأفراد فقط بل للحضارة الإنسانية بأكملها.. هذا النوع من المقالات يجمع بين الفلسفة والواقع السياسي والاجتماعي ويصلح لصفحات الرأي في الصحف الكبرى لأنه يطرح سؤالا إنسانيا عاما يلامس القارئ من السطر الأول حتى النهاية.

تم نسخ الرابط