رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

شحاتة زكريا يكتب: إدارة الأزمات أم صناعتها؟ سؤال المرحلة الراهنة

شحاتة زكريا
شحاتة زكريا


في عالم لم يعد يعرف الاستقرار بوصفه حالة دائمة بل مجرد استثناء عابر يبرز سؤال ثقيل بقدر ما هو مقلق: هل ما نشهده من أزمات متلاحقة هو نتاج عجز عن الإدارة أم انعكاس لإرادة واعية في صناعتها وتوظيفها؟ لم تعد الأزمات كما كانت في الماضي أحداثا مفاجئة تُربك الحسابات وتفرض نفسها على صُنّاع القرار بل تحولت في كثير من الأحيان  إلى أدوات ضمن منظومة أوسع تُستخدم لإعادة تشكيل الواقع وتعديل موازين القوى وفرض مسارات بعينها قد لا تمر في الظروف الطبيعية.

 وهنا تتداخل الحدود بين إدارة الأزمة باعتبارها مهارة سياسية وصناعة الأزمة كخيار استراتيجي.. المشهد الدولي الراهن خاصة في مناطق التوتر يكشف عن نمط متكرر: تصعيد محسوب يليه احتواء جزئي ثم إعادة إنتاج الأزمة في شكل مختلف. هذه الدائرة لا تبدو عشوائية بل تحمل في طياتها قدرًا من التنظيم وكأنها تخضع لمنطق غير معلن يقوم على إبقاء التوتر في مستوى يسمح بالتحكم فيه، دون الانزلاق إلى فوضى شاملة.


في هذا السياق لم تعد إدارة الأزمات تعني فقط احتواء التداعيات بل أصبحت تشمل أيضًا القدرة على توجيه مسار الأزمة ذاتها. فالدول لم تعد تتعامل مع الأزمات بوصفها تهديدًا فقط بل كفرصة لإعادة التموضع أو لتحسين شروط التفاوض أو حتى لاختبار ردود فعل الخصوم والحلفاء على حد سواء..

 لكن هل يمكن فصل الإدارة عن الصناعة؟ أم أن الخط الفاصل بينهما أصبح ضبابيا إلى حد التداخل؟
الحقيقة أن كثيرا من الأزمات تبدأ بإشارات صغيرة قد تكون قابلة للاحتواء في مراحلها الأولى لكن يتم السماح لها بالتطور أو حتى دفعها في اتجاهات معينة لتحقيق أهداف تتجاوز الحدث ذاته. وهنا لا تكون الأزمة غاية في حد ذاتها بل وسيلة لإنتاج واقع جديد قد لا يكون ممكنا في ظل الاستقرار..

 ومن زاوية أخرى تلعب القوى الكبرى دورا مركزيا في هذا الإطار. فهي لا تكتفي بإدارة الأزمات القائمة بل تسهم بشكل مباشر أو غير مباشر في تشكيل بيئات تُنتج الأزمات. هذا لا يعني بالضرورة وجود مؤامرة بالمعنى التقليدي بقدر ما يعكس طبيعة النظام الدولي الذي يقوم على التنافس المستمر واستخدام كل الأدوات المتاحة، بما فيها الأزمات لتحقيق المصالح.. 

الأمر لا يتوقف عند حدود السياسة فقط بل يمتد إلى الاقتصاد حيث أصبحت الأزمات وسيلة لإعادة توزيع الموارد وإعادة رسم خريطة النفوذ الاقتصادي. فكل توتر في منطقة حيوية يفتح الباب أمام تحولات في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وحركة الاستثمارات. وهكذا تتحول الأزمة من عبء إلى أداة ومن تهديد إلى فرصة.. غير أن هذا النمط من التفكير يحمل في داخله قدرًا كبيرًا من المخاطرة.

 فالأزمات، بطبيعتها، لا يمكن التحكم في كل مساراتها وقد تخرج عن الإطار الذي صُممت له. وما يُراد له أن يكون أزمة محدودة قد يتحول  بفعل تفاعلات غير متوقعة إلى انفجار واسع النطاق..

 وهنا يظهر التحدي الأكبر: كيف يمكن إدارة الأزمات دون الوقوع في فخ صناعتها؟ وكيف يمكن استخدام أدوات الضغط دون أن تتحول إلى عوامل تفجير؟ الإجابة تكمن في إدراك حدود القوة، وحدود القدرة على التحكم. فكلما زادت الثقة في القدرة على إدارة الأزمات زادت احتمالات المغامرة وكلما اتسعت دائرة المغامرة، زادت احتمالات الخطأ. وفي عالم شديد التعقيد قد يكون الخطأ الواحد كافيا لإشعال سلسلة من التفاعلات التي يصعب احتواؤها.. في المقابل هناك دول وقوى تحاول تبني مقاربات مختلفة تقوم على تقليل التوتر وتعزيز مسارات الحوار وإدارة الخلافات دون تحويلها إلى أزمات مفتوحة. 

هذه المقاربات قد تبدو أقل صخبا لكنها في كثير من الأحيان أكثر استدامة، لأنها تراهن على الاستقرار بوصفه قيمة وليس مجرد حالة مؤقتة..لكن التحدي الحقيقي يظل في تحقيق التوازن بين المصالح والتهدئة بين الردع والحوار، بين استخدام القوة وضبطها. فالعالم اليوم لا يحتمل مزيدًا من الأزمات المفتوحة، ولا يملك رفاهية تجاهل تداعياتها.. في النهاية، يمكن القول إن السؤال لم يعد: هل تُدار الأزمات أم تُصنع؟ بل كيف نمنع أن تتحول إدارتها إلى مدخل لصناعتها؟ وكيف نُعيد تعريف مفهوم القوة بحيث لا يرتبط فقط بالقدرة على التصعيد بل أيضا بالقدرة على الاحتواء؟ المرحلة الراهنة تفرض على الجميع إعادة التفكير في أدواتهم وفي طرق تعاملهم مع الأزمات. 

فالعالم لم يعد كما كان والقواعد القديمة لم تعد كافية لضبط إيقاعه. وبين إدارة الأزمات وصناعتها تقف المنطقة  والعالم معها  أمام اختبار حقيقي: هل نملك الحكمة الكافية لتجنب الانزلاق؟ أم أننا نعيد إنتاج الأزمات بأيدينا ثم نبحث عن طرق لإدارتها بعد فوات الأوان؟ربما لا تكون الإجابة واضحة الآن لكن المؤكد أن استمرار هذا النمط لن يؤدي إلا إلى مزيد من التعقيد. 

وفي لحظة ما قد نجد أنفسنا أمام أزمة لم يصنعها أحد بشكل مباشر لكنها كانت نتيجة تراكمات طويلة من إدارة لم تُدرك حدودها وصناعة لم تُحسن حساب عواقبها.

تم نسخ الرابط