شحاتة زكريا يكتب: متى يشعر المواطن بتحسن الاقتصاد؟ سؤال ينتظر الإجابة على الأرصفة
في كل حديث عن الاقتصاد وفي كل نشرة تبث أرقاما مبهرة عن النمو أو انخفاض التضخم أو زيادة الاحتياطي النقدي يبقى سؤال واحد يتردد على الألسنة في صمت أو همس: طيب إحنا إمتى هنحس؟ … سؤال لا يُكتب على لافتات لكنه مكتوب على وجوه العابرين ، في أروقة المصالح الحكومية، وعلى أرصفة المواصلات العامة ، وفي طوابير العيش ، وفي صوت المواطن الذي ينتظر أن تُترجم المؤشرات إلى واقع ملموس.
والحقيقة أن هذا السؤال مشروع بل هو دليل وعي. فالمواطن لا ينكر ما يحدث من إصلاحات ، ولا يتجاهل حجم التحديات التي تواجهها الدولة، لكنه ببساطة يشتاق إلى لحظة يشعر فيها أن الجهد الجماعي يُثمر ، وأن صبره لم يكن عبثا وأن الأمل لم يكن مجرد وعد بعيد.
الاقتصاد في نهاية الأمر ليس مفاهيم أكاديمية ولا مؤتمرات نخبوية. الاقتصاد كما يراه المواطن هو "مصروف البيت"، هو "الراتب الذي يكفي لنهاية الشهر"، هو "أسعار السلع الأساسية"، هو "أقساط المدارس"، و"فاتورة الكهرباء"، و"تكاليف العلاج". حين يشعر المواطن أن هذه الأمور أصبحت أكثر احتمالا ، وأن حياته اليومية تسير دون قلق دائم هنا فقط يشعر أن الاقتصاد قد تعافى.
ورغم صعوبة الظرف العالمي وما تشهده الأسواق من اضطراب وجمود وتضخم فإن مصر لا تقف مكتوفة الأيدي. هناك محاولات جادة لإعادة ضبط الأولويات ، وجذب استثمارات وتطوير البنية التحتية وفتح أسواق عمل جديدة. خطوات ليست سهلة وتحتاج إلى وقت لكنها تؤسس لتحوّل كبير في طبيعة الاقتصاد ، من اقتصاد يعتمد على الدعم والاستيراد إلى اقتصاد إنتاجي تنافسي قادر على خلق فرص وتحسين مستويات المعيشة تدريجيا.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في الأرقام بل في كيفية ترجمتها إلى شعور. فالفجوة بين النمو الاقتصادي والإحساس بالنمو قد تكون واسعة ، إلا أنها ليست مستحيلة الردم. فحين يشعر المواطن بأن سياسات الدولة تأخذ في الاعتبار وضعه وظروفه ، وحين يرى أثر المشاريع الكبرى في توفير فرص حقيقية للعمل ، وتحسنا نسبيًا في الأسعار وتحركا في المرتب يبدأ الأمل في التسلل.
التحسن لا يأتي دفعة واحدة بل هو ثمرة تراكمات صغيرة. إحساس المواطن بالأمان الوظيفي، وجودة التعليم، والرعاية الصحية، وسهولة التنقل، واستقرار الأسواق… كل هذا يصنع تدريجيا ذلك الشعور الغائب بالحياة الكريمة. وقد لا يشعر الجميع بالتغيير في وقت واحد ، لكن من المهم أن يشعر الجميع بأنهم "ضمن الخطة"، وأنهم "ليسوا منسيين".
وهنا يظهر دور مهم للإعلام واللغة الرسمية فالمواطن لا يريد تزويقا أو تجميلا بل يريد وضوحا وتواصلا. يريد من يخبره بالحقيقة لا من يغرقه بالأرقام. يريد من يقول له: نعم الطريق طويل لكنه بدأ بالفعل وأن ما تتحمله اليوم ليس عبثا بل لبنة في بناء الغد.
والأهم من كل هذا أن يُشرك في الصورة ، لا أن يُحاصر فيها. فحين يشعر المواطن أن صوته مسموع وأن اقتراحه محل اعتبار، وأن الدولة تمضي معه لا فوقه ، يزداد انتماؤه لهذا التحول ويتحمّل الصعوبات بروح المشاركة لا شعور الضحية.
إن تحسّن الاقتصاد يبدأ من القرارات الكبرى لكنه لا يكتمل إلا حين يصل تأثيره إلى طاولة الطعام في كل بيت ، وإلى الحقيبة المدرسية في يد كل تلميذ ، وإلى صيدلية الحي حين يحتاج دواء ، وإلى أقساط البيت حين تطمئن الأسرة أنها قادرة على الاستمرار. كل هذا لا يحدث بين ليلة وضحاها لكنه يحدث حين تتلاقى الإرادة السياسية مع قوة المجتمع ، في مشروع وطني كبير يؤمن بأن الإنسان هو الهدف، وهو الوسيلة.
وفي نهاية المطاف، السؤال الصعب: متى يشعر المواطن بتحسن الاقتصاد؟… لا يُجاب عليه بتصريحات أو حملات دعائية بل يُجاب عليه حين يشعر المواطن أن بلده يُدير أزماته بعقل رشيد ، وأنه على الطريق حتى وإن كانت الخطى بطيئة ، وأنه ليس وحده من يتحمّل بل الجميع شركاء في صناعة المستقبل.