رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

شحاتة زكريا يكتب: الأسواق بين التوقعات والواقع.. فجوة تتسع

شحاتة زكريا
شحاتة زكريا

في لحظات التحول الاقتصادي لا تكون الأزمات دائما في الأرقام بقدر ما تكون في المسافة بين ما يُقال وما يُعاش. هذه المسافة التي قد تبدو ضيقة في ظاهرها تتسع تدريجيا حتى تتحول إلى فجوة حقيقية بين التوقعات التي تُبنى في الخطاب والواقع الذي يلمسه المواطن يوميا في الأسواق.
المشهد الحالي يعكس هذه المفارقة بوضوح. على الورق هناك جهود واضحة لضبط الأسواق وتوفير السلع وتعزيز المخزون الاستراتيجي ومراقبة الأسعار. مؤشرات تتحدث عن استقرار نسبي وخطط تستهدف تحقيق توازن بين العرض والطلب. لكن على الأرض تبدو الصورة أكثر تعقيدا. الأسعار في بعض القطاعات تتحرك بوتيرة لا تعكس هذا الاستقرار المعلن والمواطن يجد نفسه أمام واقع مختلف يفرض عليه إعادة ترتيب أولوياته بشكل مستمر..هذه الفجوة لا تعني بالضرورة غياب الجهد بل ربما تعكس طبيعة المرحلة نفسها. فالأسواق لم تعد محكومة فقط بعوامل داخلية يمكن السيطرة عليها بل أصبحت جزءا من شبكة عالمية متشابكة تتأثر بكل ما يحدث خارج الحدود. أي اضطراب في سلاسل الإمداد أي توتر في أسواق الطاقة أي تحرك مفاجئ في أسعار الشحن… يتحول مباشرة إلى ضغط على السوق المحلي .. لكن المشكلة الأعمق لا تكمن فقط في هذه الضغوط الخارجية بل في كيفية إدارتها داخليا. فالسوق بطبيعته لا يتحرك فقط بالأرقام بل بالتوقعات. التاجر الذي يتوقع ارتفاعا في التكلفة يسعّر على هذا الأساس قبل أن يحدث فعليا. والمستهلك الذي يخشى مزيدا من الارتفاع يسارع بالشراء فيخلق طلبا إضافيا يدفع الأسعار إلى أعلى. وهكذا تدخل السوق في دائرة مغلقة تغذي فيها التوقعات الواقع ويعيد الواقع إنتاج التوقعات .. في هذا السياق تصبح مسألة الثقة عنصرا حاسما. ليست الثقة في توفر السلع فقط بل في استقرار السياسات وفي وضوح الرؤية وفي قدرة الدولة على ضبط الإيقاع. حين يشعر السوق بوجود رؤية واضحة تتراجع حدة التوتر وتصبح ردود الفعل أكثر عقلانية. أما حين تغيب هذه الرؤية أو لا تصل بشكل كاف تزداد مساحة الاجتهاد ويتحول كل طرف إلى لاعب يحاول تأمين موقعه حتى لو كان ذلك على حساب التوازن العام .. ولا يمكن إغفال دور بعض الممارسات التي تستغل هذه الحالة. فبينما تتحمل الظروف العالمية جزءا من المسؤولية هناك أيضًا من يوسع الفجوة لتحقيق مكاسب سريعة. تخزين السلع المبالغة في التسعير خلق ندرة مصطنعة… كلها سلوكيات تضغط على السوق وتزيد من حدة الأزمة وتضع المواطن في مواجهة مباشرة مع واقع أكثر قسوة .. في المقابل تتحرك الدولة على أكثر من محور لمحاولة احتواء هذه الفجوة. من خلال التوسع في المنافذ الحكومية وتعزيز الرقابة وضخ كميات إضافية من السلع ومحاولة كسر حلقات الاحتكار. هذه الإجراءات رغم أهميتها تحتاج إلى وقت حتى تظهر آثارها بشكل كامل خاصة في ظل بيئة إقليمية ودولية مضطربة.. لكن يبقى السؤال الأهم: هل يمكن ردم هذه الفجوة بالكامل؟ الإجابة ربما لا تكون سهلة أو سريعة. لأن جزءا من هذه الفجوة مرتبط بطبيعة الاقتصاد العالمي نفسه الذي يعيش حالة من عدم اليقين. لكن ما يمكن تحقيقه هو تقليصها عبر إدارة أكثر كفاءة وتواصل أكثر شفافية وتوازن أدق بين ما يعلن وما ينفذ .. الأسواق لا تبحث عن الكمال بل عن الاستقرار النسبي. والمواطن لا ينتظر المعجزات بل إشارات واضحة تطمئنه بأن ما يواجهه اليوم ليس حالة دائمة بل مرحلة يمكن تجاوزها. هنا يأتي دور الخطاب ليس كوسيلة لطمأنة مؤقتة بل كجزء من إدارة الأزمة يعكس الواقع كما هو ويشرح ما يمكن فعله وما يحتاج إلى وقت.
في النهاية تبقى الأسواق مرآة دقيقة لأي اقتصاد. تعكس نجاحاته كما تكشف عن تحدياته. وبين التوقعات التي تُصاغ في مكاتب مغلقة والواقع الذي يتشكل في حركة البيع والشراء تتحدد ملامح هذه المرحلة ..قد تتسع الفجوة أحيانا… لكنها ليست قدرا محتوما لأن الفرق الحقيقي لا تصنعه الظروف وحدها بل طريقة التعامل معها.
وحين تنجح السياسات في الاقتراب من نبض الشارع…
تبدأ الفجوة في الانكماش ويعود السوق إلى طبيعته:
مساحة توازن… لا ساحة قلق.

تم نسخ الرابط