شحاتة زكريا يكتب: لماذا أصبح العقل البشري في حالة تشويش دائم؟
لم يعد السؤال اليوم: ماذا يعرف الإنسان؟
بل ماذا يستطيع أن يحتمل من هذا الكم الهائل من المعرفة التي تتدفق عليه كل ثانية دون توقف.. فالعقل البشري الذي كان يوما ما مركزا للتركيز والتأمل واتخاذ القرار أصبح اليوم ساحة مفتوحة لآلاف الرسائل والصور والأصوات المتداخلة حتى بات أقرب إلى غرفة مزدحمة بلا نوافذ يصعب فيها التقاط أنفاس الفهم الهادئ.. في زمن لم يعد فيه الصمت موجودا أصبح التشويش حالة عامة لا تخص فردا دون آخر بل تمتد كظل ثقيل فوق الوعي الإنساني كله. نحن لا نعيش فقط عصر المعلومات بل عصر الفيض المعلوماتي الذي لا يترك للعقل فرصة ليهضم أو يراجع أو يتأمل. كل شيء سريع وكل شيء عاجل وكل شيء يطلب انتباهك الآن وليس لاحقا.. لكن الأخطر من كثرة المعلومات هو تساويها جميعا في ساحة العرض.. فخبر مصيري عن حرب أو اقتصاد يقف بجوار فيديو ترفيهي عابر وتعليق عاطفي، وإشاعة، وتحليل، وضجيج بلا نهاية. هنا يفقد العقل بوصلته الطبيعية في التمييز بين المهم والهامشي بين الحقيقي والمصطنع بين ما يستحق الانتباه وما يسرقه.
لقد انتقل الإنسان من عصر البحث عن المعلومة إلى عصر الهروب من المعلومة لم يعد التحدي في الوصول إلى المعرفة، بل في القدرة على إغلاق الأبواب أمامها مؤقتًا كي يستعيد العقل توازنه. ومع ذلك فإن المنصات الرقمية صُممت أصلا لتمنع هذا الإغلاق فهي تعمل بمنطق الاستمرار، الإشعار، التحديث اللحظي والتدفق الذي لا يتوقف.
وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية: العقل البشري لم يخلق ليستوعب كل هذا في وقت واحد.. هو مصمم للتركيز لا للتشتت. للتأمل لا للاندفاع. للتحليل لا للردود السريعة. لكننا دفعناه قسرا إلى بيئة لا تشبه طبيعته فكانت النتيجة هذا التشويش المستمر الذي نشعر به جميعا دون أن نملك له اسما دقيقا.. إنه ليس إرهاقا فقط بل حالة من التآكل الهادئ للانتباه.
تبدأ بفقدان القدرة على قراءة نص طويل ثم صعوبة في متابعة فكرة واحدة ثم تشتت في اتخاذ أبسط قرار ثم شعور دائم بأن العقل يعمل لكنه لا ينتج وضوحا. وكأن هناك ضبابا خفيفًا لكنه دائم يفصل بين الإنسان وفكره..الأخطر أن هذا التشويش لم يعد فرديا بل تحول إلى ظاهرة جماعية.
مجتمعات كاملة باتت تتفاعل مع الأحداث بطريقة انفعالية أكثر منها تحليلية. الرأي يصنع بسرعة ويبدل بسرعة وينسى بسرعة. والذاكرة الجمعية أصبحت قصيرة العمر، تعيش على إيقاع الترند لا على إيقاع الحقيقة.. وفي قلب هذه الفوضى تظهر الشائعة كقوة موازية للحقيقة بل أحيانا أسرع منها وأكثر انتشارا. ليس لأنها أقوى بل لأنها أبسط وأكثر إثارة وأقل حاجة للتفكير. وهنا يكمن الخلل: عندما يصبح التفكير عبئًا، تنتصر البساطة حتى لو كانت زائفة.. ومع صعود الذكاء الاصطناعي لم تعد المشكلة في كمية المعلومات فقط بل في إعادة إنتاجها بلا نهاية. المحتوى يتكاثر بشكل غير مسبوق والتحليل يتضاعف، والآراء تتشابه حتى أصبح الإنسان أمام بحر لا يعرف بدايته من نهايته ولا يستطيع أن يحدد فيه موقعه.. لكن السؤال الأعمق ليس تقنيا فقط، بل إنساني في جوهره:
هل فقد الإنسان قدرته على الصمت الداخلي؟
ذلك الصمت الذي كان يسمح للعقل أن يرتب أفكاره ويعيد بناء منطقه ويصنع قراراته بهدوء بعيدا عن الضجيج.
إن أخطر ما في التشويش المعاصر أنه غير مرئي.. لا يقاس بمرض ولا يُشخص بسهولة لكنه يظهر في السلوك اليومي: في سرعة الغضب في ضعف التركيز في القلق المستمر في الشعور بأن كل شيء يحدث بسرعة أكبر من القدرة على الاستيعاب.. ولعل المفارقة أن الإنسان المعاصر لم يعد يعاني من نقص في المعلومات بل من فائض يفوق قدرته على الاحتمال. وكأننا أمام عالم يمنحك كل شيء في اللحظة نفسها، لكنه يسلبك القدرة على اختيار ما تحتاجه فعلا.
في النهاية ربما لا يكون الحل في تقليل العالم من حولنا فهذا مستحيل بل في استعادة القدرة على إدارة الانتباه
أن نعيد تعريف ما يستحق أن ندخله عقولنا، وما يجب أن نتركه خارجها.. أن نتذكر أن العقل ليس شاشة مفتوحة طوال الوقت بل مساحة تحتاج إلى إغلاق واع كي تظل قادرة على الفهم لا الاستهلاك.. فالمعركة الحقيقية اليوم ليست بين الإنسان والعالم بل بين الإنسان وتشتت انتباهه
وهل يستطيع أن يستعيد وضوحه وسط هذا الضجيج الذي لا يهدأ.

