رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

شحاتة زكريا يكتب: أزمة الثقة في المجتمع

شحاتة زكريا
شحاتة زكريا

لا شيء يهدد استقرار المجتمعات الحديثة بقدر ما يهددها تآكل الثقة بين أفرادها ومؤسساتها. فالثقة ليست مجرد قيمة أخلاقية أو سلوك اجتماعي بل هي البنية الخفية التي تقوم عليها الحياة اليومية بكل تفاصيلها من أبسط المعاملات بين الناس إلى أعقد العلاقات بين المواطن والدولة. 

وحين تتعرض هذه البنية للاهتزاز يبدأ المجتمع في فقدان توازنه تدريجيا حتى لو بدت مظاهره الخارجية مستقرة.. أزمة الثقة لا تظهر فجأة ولا تعلن عن نفسها بصوت مرتفع لكنها تتسلل ببطء عبر تراكمات صغيرة: وعد لا يُنفذ معلومة غير دقيقة تجربة فردية سلبية تتكرر أو شعور عام بأن الأمور لا تسير بالشفافية الكافية. ومع مرور الوقت تتحول هذه التفاصيل إلى حالة عامة من الشك يصبح فيها الإنسان أكثر حذرا وأقل استعدادا للتصديق وأكثر ميلا لتفسير كل شيء بنظرة سلبية.


في المجتمع الذي تتراجع فيه الثقة تصبح العلاقات أكثر تعقيدا مما ينبغي. فالمواطن يحتاج إلى ضمانات إضافية لإنجاز أبسط معاملاته والمؤسسات تبذل جهدا أكبر لإقناع الناس بقراراتها والأفراد يدخلون في علاقات اجتماعية واقتصادية وهم يحملون قدرا من التوجس غير المعلن. وكأن الجميع يتحرك داخل مساحة واسعة من الشك المتبادل.


ولعل أخطر ما في أزمة الثقة أنها لا تقتصر على جانب واحد. فهي تمتد إلى العلاقات بين الأفراد بعضهم البعض كما تمتد إلى العلاقة بين المواطن والمؤسسة وبين المجتمع ومصادر المعرفة والإعلام وحتى بين الإنسان ونفسه أحيانا. وحين تتسع هذه الدوائر من الشك يصبح من الصعب إعادة بناء الجسور بسهولة.. لقد كان المجتمع المصري عبر مراحل طويلة من تاريخه قائما بدرجة كبيرة على الثقة الاجتماعية. الثقة في الكلمة، وفي الجار، وفي العلاقات الإنسانية البسيطة. لكن التحولات المتسارعة التي شهدها العالم في العقود الأخيرة وما صاحبها من تغيرات اقتصادية وثقافية وتكنولوجية جعلت هذه الثقة تواجه اختبارات متكررة بعضها كان قاسيا.. ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ازدادت سرعة تداول المعلومات لكن في المقابل تراجعت أحيانا مستويات التحقق والتثبت. فأصبحت الشائعة تنتشر بسرعة قد تفوق انتشار الحقيقة وأصبح من السهل تكوين انطباعات واسعة بناء على معلومات غير مكتملة. 

وهذا بدوره ساهم في تعميق حالة الشك العام لأن الناس باتوا يتعرضون يوميا لفيض من الروايات المتناقضة.. ولا يمكن فصل أزمة الثقة عن التجربة اليومية للمواطن. فحين يواجه الفرد تفاوتا بين ما يعلن وما يطبق أو بين ما يُتوقع وما يحدث يتولد لديه شعور تدريجي بعدم اليقين. ومع تكرار هذه التجارب يتحول الشك من حالة عابرة إلى نمط تفكير دائم.. لكن المشكلة لا تكمن في وجود الأخطاء أو التحديات فذلك أمر طبيعي في أي مجتمع. المشكلة الحقيقية تبدأ حين يغيب الإحساس العام بالعدالة والوضوح والاستمرارية. 

فالثقة لا تُبنى على الكمال بل تُبنى على الشفافية والقدرة على الاعتراف والتصحيح والتطوير.. إن المؤسسات القوية ليست تلك التي لا تخطئ بل تلك التي تمتلك القدرة على توضيح قراراتها ومصارحة الناس بالحقائق والتفاعل مع الملاحظات بجدية. فحين يشعر المواطن أن هناك مساحة للحوار والفهم فإن مستوى الثقة يرتفع حتى في وجود تحديات...وفي المقابل حين يشعر الناس أن المعلومات غير واضحة أو أن المسافات بين الواقع والتصريحات تتسع تبدأ الثقة في التراجع حتى لو كانت الجهود المبذولة كبيرة. فالثقة لا تُقاس فقط بالفعل بل أيضا بطريقة إدراك هذا الفعل والتواصل حوله.. ومن المهم أن ندرك أن أزمة الثقة لا تُحل بالخطاب وحده بل بالفعل المستمر.

 فالكلمة قد تعيد جزءا من الثقة لكنها لا تكفي وحدها. بينما الممارسة اليومية، والالتزام، والعدالة في التطبيق هي ما يعيد بناء هذا الرصيد تدريجيا.


كما أن للإعلام دورا محوريا في هذا السياق. فالإعلام المسؤول لا يكتفي بنقل الحدث بل يسهم في توضيحه ووضعه في سياقه الصحيح وتجنب تضخيمه أو اختزاله بشكل يخل بالمعنى. فطريقة تقديم المعلومة لا تقل أهمية عن المعلومة نفسها في تشكيل الوعي العام.. ولا يمكن إغفال دور التعليم والثقافة في بناء الثقة على المدى الطويل. فالمجتمعات التي تزرع في أجيالها قيم التفكير النقدي واحترام الحقيقة، والتمييز بين الرأي والمعلومة، تكون أكثر قدرة على مقاومة الشك غير المبرر وأكثر استعدادا لبناء ثقة صحية ومتوازنة.. إن أزمة الثقة ليست قدرا محتوما لكنها نتيجة قابلة للعلاج إذا توفرت الإرادة والوعي.

 فالثقة يمكن استعادتها لكنها تحتاج إلى وقت وإلى تراكم إيجابي من السلوكيات والممارسات التي تعيد للناس شعورهم بأن ما يُقال قريب مما يفعل وأن ما يُعلن يجد صداه في الواقع.


وفي النهاية تبقى الحقيقة الأساسية أن المجتمعات لا تدار بالقوانين وحدها ولا بالمؤسسات فقط بل بشبكة غير مرئية من الثقة المتبادلة. فإذا انهارت هذه الشبكة أصبح كل شيء أكثر كلفة وأبطأ وأصعب. أما إذا تعافت فإن المجتمع يستعيد قدرته على الحركة بثبات، حتى وسط التحديات.. ولهذا فإن مواجهة أزمة الثقة ليست مهمة جهة واحدة بل مسؤولية مشتركة تبدأ من السلوك الفردي، وتمتد إلى المؤسسات وتنتهي عند الصورة العامة للمجتمع كله. فالثقة لا تُمنح مرة واحدة بل تبنى كل يوم وقد تفقد في لحظة إذا لم تصن جيدا.

تم نسخ الرابط