دكتور أمل منصور تكتب: من أكون وأنا معه؟
من أكثر الأسئلة التي تثير الحيرة في العلاقات الإنسانية أن ننظر إلى شخص واحد فنجد أن النساء اللاتي عرفنه يتحدثن عنه وكأن كل واحدة منهن تتحدث عن رجل مختلف، أو نستمع إلى رجال عرفوا المرأة نفسها فنشعر أنهم يصفون شخصيات متعددة لا امرأة واحدة.
إحداهن تقول إنه كان حنونًا بصورة استثنائية، وأخرى تصفه بالبارد. واحدة تتحدث عن كرمه العاطفي، وأخرى تتذكر بخله في المشاعر. رجل يرى امرأة ملهمة وهادئة، وآخر يراها متطلبة وصعبة المراس. والمفارقة أن الجميع قد يكون صادقًا في وصفه.
فكيف يمكن للشخص نفسه أن يكون كل هذه النسخ المتناقضة؟
الإجابة تكمن في حقيقة إنسانية عميقة يغفل عنها كثيرون: نحن لا نتصرف بالطريقة نفسها مع الجميع، ولا نُخرج النسخة نفسها من أنفسنا أمام كل الأشخاص.
لكل إنسان وجوه متعددة، ليست وجوهًا زائفة بالضرورة، بل إمكانات مختلفة تسكن داخله. والطرف الآخر يملك قدرة هائلة على استدعاء بعض هذه النسخ أو إخمادها. لذلك لا تكون العلاقات مجرد لقاء بين شخصين، بل لقاء بين نسختين مختلفتين من كل منهما.
ولهذا السبب لا يقع الرجل في حب المرأة نفسها فقط، بل يقع في حب النسخة التي يصبح عليها بقربها. وكذلك المرأة لا تحب الرجل لصفاته المجردة فقط، بل تحب الشعور الذي تعيشه وهي معه.
فالإنسان بطبيعته يبحث عمن يجعله يحب نفسه أكثر.
وهنا يبدأ سر العلاقات الناجحة والعلاقات الفاشلة.
بعض الأشخاص يجعلونك أكثر هدوءًا مما كنت. أكثر ثقة. أكثر تصالحًا مع أخطائك. أكثر قدرة على الضحك. أكثر راحة في التعبير عن مشاعرك. كأن وجودهم يمنحك الإذن بأن تكون نفسك دون خوف أو تحفظ.
وفي المقابل، هناك أشخاص يوقظون داخلك القلق، والحذر، والدفاع المستمر عن الذات. يجعلك وجودهم في حالة تأهب دائم، وكأنك تخوض اختبارًا لا ينتهي.
واللافت أن الأمر لا يتعلق دائمًا بسوء نية أحد الطرفين أو حسن نية الآخر. أحيانًا تكون المسألة مرتبطة فقط بالكيمياء النفسية والعاطفية بين شخصين. فهناك من يلمس أجمل ما فيك دون أن يقصد، وهناك من يستفز أسوأ مخاوفك دون أن يتعمد ذلك.
ولهذا فإن الحكم على الأشخاص من خلال تجربة واحدة معهم قد يكون ظالمًا أحيانًا. فالرجل الذي كان رائعًا مع امرأة قد يكون مرهقًا مع أخرى، والمرأة التي أخرجت أفضل ما لدى رجل قد تخرج أسوأ ما لدى رجل آخر.
ليس لأن أحدهم كاذب أو منافق، بل لأن العلاقات تشبه المرايا. وكل مرآة تعكس زاوية مختلفة.
تأمل مثلًا الفرق بين شخص يشعر دائمًا بأنه موضع تقدير، وآخر يشعر أنه مطالب بإثبات نفسه باستمرار. الأول غالبًا يصبح أكثر عطاءً وكرمًا وهدوءًا. أما الثاني فقد يتحول إلى شخص متوتر أو دفاعي أو كثير الحساسية.
الإنسان يتغير تبعًا للمناخ النفسي الذي يعيش فيه.
تمامًا كما تزدهر بعض النباتات في بيئة معينة وتذبل في بيئة أخرى، تزدهر بعض الصفات الإنسانية في علاقات معينة وتختفي في علاقات أخرى.
ولهذا نجد أن بعض الأشخاص يكتشفون نسخًا جديدة من أنفسهم بعد دخول علاقة معينة. رجل كان يعتقد أنه غير قادر على التعبير عن مشاعره، ثم يكتشف أنه شديد الحنان. وامرأة كانت تظن أنها كثيرة القلق، ثم تجد نفسها هادئة ومستقرة مع شخص معين.
الحقيقة أن تلك الصفات كانت موجودة أصلًا، لكنها كانت تنتظر البيئة المناسبة للظهور.
وهنا تكمن إحدى أعظم هدايا العلاقات الناجحة: أنها لا تضيف إلينا فقط، بل تكشف ما هو جميل داخلنا.
فالشريك الجيد لا يغير شخصيتك بالكامل، لكنه يساعد أجمل أجزاء شخصيتك على الظهور. يجعلك أقرب إلى أفضل نسخة من نفسك.
ولعل هذا ما يفسر لماذا تبقى بعض العلاقات في الذاكرة حتى بعد انتهائها. فالأمر لا يتعلق فقط بالشخص الذي رحل، بل بالنسخة التي كنا عليها ونحن معه. تلك النسخة التي شعرنا فيها بالراحة، أو الثقة، أو القوة، أو الطمأنينة.
فالناس لا يشتاقون دائمًا إلى الأشخاص بقدر اشتياقهم إلى شعور معين عاشوه معهم.
كم من رجل يقول بعد سنوات إنه لم ينس امرأة معينة، بينما الحقيقة أنه لم ينس شعوره بنفسه معها. لم ينس إحساسه بأنه مفهوم، أو مقدر، أو محبوب بطريقة صادقة.
وكم من امرأة تتذكر رجلًا مر على حياتها، ليس لأنه كان الأجمل أو الأكمل، بل لأنه جعلها تشعر بأنها آمنة، وأنوثتها محل تقدير، وضعفها ليس موضع استغلال.
نحن نشتاق أحيانًا إلى النسخة التي أخرجها شخص منا أكثر من اشتياقنا إليه هو نفسه.
وهذه حقيقة نفسية بالغة العمق.
فالإنسان يحمل داخله إمكانات كثيرة. القدرة على الحب، والعطاء، والمرح، والهدوء، والثقة، والشجاعة، والتسامح. لكنه لا يعيش هذه الإمكانات كلها بالدرجة نفسها مع الجميع.
هناك من يجعلك تتحدث بحرية، وهناك من يجعلك تلتزم الصمت. هناك من يفتح قلبك، وهناك من يجعلك تغلقه بإحكام. هناك من يمنحك الشعور بالأمان، وهناك من يوقظ داخلك كل مخاوف الهجر والرفض والخذلان.
ولهذا فإن العلاقات ليست مجرد توافق في الصفات، بل توافق في التأثير.
من السهل أن تنبهر بشخص جميل أو ذكي أو ناجح، لكن الأهم من ذلك أن تسأل نفسك: من أصبحت وأنا معه؟
هل أصبحت أكثر راحة أم أكثر توترًا؟
أكثر ثقة أم أكثر شكًا؟
أكثر تصالحًا مع نفسي أم أكثر قسوة عليها؟
هذه الأسئلة تكشف جوهر العلاقة أكثر من أي شيء آخر.
و ، يرتبط هذا الأمر بما يعرف بالتنظيم العاطفي المتبادل. فالبشر يؤثرون في الحالة النفسية لبعضهم بطرق تفوق ما يتخيلون. نبرة الصوت، وطريقة الاستماع، وحجم التقدير، ومستوى الأمان الموجود في العلاقة، كلها عوامل تعيد تشكيل التجربة النفسية للطرف الآخر.
لذلك قد يكون وجود شخص واحد كافيًا لإخراج أفضل ما في إنسان ما، بينما يكون وجود شخص آخر كافيًا لإغراقه في القلق والتردد.
وهنا يجب الانتباه إلى فكرة مهمة جدًا: ليس مطلوبًا من الشريك أن يكون مسؤولًا عن سعادتك بالكامل، لكنه بالتأكيد يساهم في المناخ النفسي الذي تعيشه داخل العلاقة.
والعلاقات الناجحة ليست تلك التي تخلو من المشكلات، بل تلك التي تسمح للطرفين بأن يكونا أفضل نسخة ممكنة من نفسيهما رغم المشكلات.
فالحب الحقيقي لا يجعلك تفقد نفسك، بل يعيدك إليها.
لا يجعلك أصغر، بل يجعلك أكثر اتساعًا.
لا يجعلك خائفًا من أخطائك، بل أكثر شجاعة في مواجهتها.
ولا يجعلك تمثل دورًا لإرضاء الطرف الآخر، بل يمنحك مساحة آمنة لتكون على طبيعتك.
لهذا فإن أجمل سؤال يمكن أن يطرحه الإنسان على نفسه في أي علاقة ليس: كم أحب هذا الشخص؟
بل: ماالنسخة التي أصبحت عليها معه ؟
لأن الإجابة عن هذا السؤال تختصر أشياء كثيرة.
فقد تحب شخصًا بشدة، لكنك تتحول بقربه إلى نسخة مرهقة من نفسك. وقد تحب شخصًا آخر بدرجة أقل من الانبهار الأول، لكنك تصبح معه أكثر هدوءًا وسلامًا وثقة.
وعندها تدرك أن قيمة العلاقات لا تُقاس فقط بحجم المشاعر، بل بنوعية الإنسان الذي تساعدك على أن تكونه.
ولنعلم أن ليس سر العلاقات العظيمة أن أحد الطرفين كان كاملًا، بل أن كل طرف استطاع أن يستدعي أجمل ما في الآخر. أن يكون مرآة تعكس نقاط القوة لا نقاط الضعف فقط. أن يخلق مساحة تسمح للنسخة الأجمل بالنمو والظهور.
فلكل إنسان نسخ متعددة تسكنه، وبعض الأشخاص يمرون في حياتنا فيوقظون أجملها.
وربما لهذا السبب لا ننسى بعض العلاقات أبدًا؛ لأنها لم تمنحنا شخصًا نحبه فقط، بل منحتنا فرصة للتعرف إلى نسخة جميلة من أنفسنا لم نكن نعرف أنها موجودة.
فالعلاقات الحقيقية لا تُقاس فقط بحجم المشاعر التي تمنحها لنا، بل بالإنسان الذي تساعدنا على أن نصبحه. هناك علاقات تجعلنا أكثر اتساعًا وطمأنينة وثقة، وأخرى تجعلنا أكثر انكماشًا وخوفًا وارتباكًا. وهناك أشخاص لا يغيروننا بقدر ما يكشفون أجمل ما كان نائمًا داخلنا منذ البداية.
لذلك، حين تحتار في تقييم أي علاقة، لا تنظر فقط إلى ما تشعر به تجاه الطرف الآخر، بل انظر أيضًا إلى ما تشعر به تجاه نفسك وأنت بقربه.
فربما كان هذا هو المعيار الأكثر صدقًا بين كل المعايير.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم في العلاقات: من هو هذا الشخص؟ ولا كم يحبني؟ ولا حتى إلى أي مدى أحبه؟ فكل هذه الأسئلة، على أهميتها، تظل ناقصة ما لم تقُدنا إلى سؤال أعمق وأكثر جوهرية، سؤال يكشف حقيقة الأثر الذي يتركه الآخر فينا، ويكشف أي نسخة من أنفسنا تظهر في حضوره.
من أكون وأنا معه؟
