دكتورة أمل منصور تكتب: أبي.. النموذج الذي أربك كل المقارنات
هناك أشياء كثيرة تستطيع الحياة أن تعوضها. صديق يرحل فيأتي غيره، وفرصة تضيع فتفتح الأيام بابًا جديدًا، وحتى بعض الخسارات الكبيرة ينجح الزمن في تخفيف حدتها شيئًا فشيئًا. لكن هناك علاقات قليلة جدًا لا يعوضها شيء، لأنها لا تمر في حياتنا كحدث عابر، بل تشارك في تشكيلنا من الداخل، وتترك بصمتها في الطريقة التي نحب بها، ونخاف بها، ونثق بها، وننظر بها إلى أنفسنا وإلى الآخرين.
ومن بين تلك العلاقات جميعًا، تبقى علاقة الأب بابنته واحدة من أكثر العلاقات تأثيرًا وعمقًا في بناء شخصية المرأة ومستقبلها العاطفي والنفسي.
فالبنت لا تحتاج فقط إلى أب ينفق عليها، ولا إلى أب يوفر لها التعليم والاحتياجات المادية، ولا حتى إلى أب يؤدي واجباته التقليدية كما ينبغي. إنها تحتاج إلى شيء أبعد من ذلك بكثير؛ تحتاج أن تشبع من بنوة أبيها.
وقد تبدو هذه العبارة بسيطة للوهلة الأولى، لكنها تختصر عالمًا كاملًا من الاحتياجات النفسية والمشاعر الإنسانية العميقة.
أن تشبع البنت من بنوة أبيها يعني أن تكبر وهي تشعر أنها محبوبة دون شروط، ومقبولة دون أن تضطر كل يوم لإثبات قيمتها، ومطمئنة إلى أن هناك رجلًا يرى جمال روحها قبل أي شيء آخر. يعني أن تجد في أبيها حضنًا يهدئ خوفها، وصوتًا يطمئن ارتباكها، ونظرة تمنحها الثقة بنفسها وبالعالم من حولها.
كثيرون يخلطون بين التدليل وبين الإشباع العاطفي الحقيقي. والحقيقة أن بينهما مسافة واسعة.
فكم من فتاة أغرقها والدها بالهدايا والأموال وكل ما يمكن شراؤه، لكنها ظلت جائعة إلى كلمة تقدير، أو لحظة اهتمام، أو حوار دافئ تشعر فيه أنها مرئية ومهمة. وكم من فتاة عاشت حياة بسيطة جدًا، لكنها كانت ممتلئة من الداخل لأنها وجدت أبًا حاضرًا بقلبه قبل حضوره بجسده، وبمشاعره قبل إمكاناته.
الإشباع العاطفي الحقيقي لا يعني أن تحصل الابنة على كل ما تريد، بل أن تشعر أنها ذات قيمة. أن يشعرها أبوها أن رأيها مسموع، وأن أسئلتها تستحق الإجابة، وأن دموعها لا تُستهان بها، وأن نجاحها يفرحه فعلًا، وأن انكسارها يعنيه.
تلك التفاصيل الصغيرة التي قد يظنها البعض عابرة هي في الحقيقة الطوب الذي تُبنى منه ثقة الإنسان بنفسه.
ومن هنا يبدأ الدور الأخطر والأهم للأب في حياة ابنته؛ دوره كنموذج أول للرجل.
فالأب ليس مجرد رجل في حياة الفتاة، بل هو أول رجل تعرفه، وأول رجل تتعامل معه، وأول رجل تراقب من خلاله معنى القوة، ومعنى الحنان، ومعنى الاحترام، ومعنى الأمان.
ومن خلاله تتشكل الصورة الأولى للرجل في وجدانها.
لهذا السبب فإن كل امرأة تحمل داخل قلبها نسخة من أبيها، سواء كانت تلك النسخة مليئة بالدفء أو مثقلة بالفراغ.
الأب الذي يحترم أم ابنته يعلمها دون أن يقصد كيف يبدو الاحترام داخل العلاقات. والأب الذي يحتوي أسرته يعلمها شكل الاحتواء. والأب الذي يفي بوعوده يعلمها معنى الأمان. والأب الذي يمنح أبناءه وقتًا واهتمامًا يعلمهم أن الحب ليس كلمات جميلة فقط، بل حضور حقيقي يمكن الاتكاء عليه.
وفي المقابل، فإن الأب الغائب عاطفيًا، أو القاسي في تعبيره، أو المستهين بمشاعر ابنته، يترك آثارًا لا تقل قوة عن آثار الأب الحاضر والداعم.
فالمرأة لا تخرج إلى الحياة بورقة بيضاء، بل تحمل معها تاريخًا كاملًا من المشاعر والانطباعات الأولى التي ساهم الأب في كتابتها سطرًا سطرًا.
ومن أهم ما يبنيه الأب داخل ابنته شعورها بقيمتها الذاتية.
فالفتاة التي تنظر إلى عيني أبيها فترى الاعتزاز والإعجاب والثقة، تكبر وهي مقتنعة بأنها تستحق الاحترام والتقدير. أما الفتاة التي لا تسمع إلا النقد أو المقارنات أو التجاهل، فقد تقضي سنوات طويلة تبحث عند الآخرين عن اعتراف بقيمتها لم تستطع الحصول عليه في سنواتها الأولى.
ولهذا نجد أن بعض النساء يقعن في علاقات مؤذية ليس لأنهن لا يدركن الأذى، بل لأن جزءًا داخلهن ما زال يبحث عن شعور قديم افتقده.
إنهن لا يبحثن عن الرجل بقدر ما يبحثن عن الإحساس.
يبحثن عن الأمان الذي افتقدنه، وعن الاحتواء الذي لم يجدنه، وعن الكلمات التي تمنين سماعها يومًا ولم يسمعنها.
ولهذا قد تتمسك بعض النساء بمن لا يستحق، وقد تتحمل ما لا ينبغي تحمله، وقد تقدم تنازلات موجعة فقط لأنها تخشى فقدان القليل من الاهتمام الذي تحصل عليه.
إن الجوع العاطفي يجعل الفتات يبدو وليمة.
أما المرأة التي نالت نصيبها من الحب والاحتواء والتقدير من أبيها، فهي لا تدخل العلاقة بقلب جائع.
إنها تدخلها من منطلق مختلف تمامًا.
فهي لا تقول للرجل: أكمل نقصي.
بل تقول له: أضف إلى امتلائي.
وهنا يكمن أحد أهم الفروق النفسية بين امرأة تدخل العلاقة من منطلق الاحتياج، وامرأة تدخلها من منطلق الاختيار.
الأولى قد تتعلق أحيانًا بأي شخص يمنحها شعورًا مؤقتًا بالأمان.
أما الثانية فتملك رفاهية الاختيار لأنها لا تخاف الوحدة بقدر خوفها من العلاقة الخاطئة.
إنها تعرف قيمتها جيدًا، وتعرف ما تستحقه، وتدرك أن وجود الرجل في حياتها ينبغي أن يكون إضافة جميلة لا تعويضًا عن فراغ قديم.
ولهذا يمكن القول إن البنوة الكاملة تصنع امرأة مكتفية لا متسولة للمشاعر.
امرأة تحب بصدق، لكنها لا تستجدي الحب.
تعطي بسخاء، لكنها لا تلغي نفسها.
تشتاق، لكنها لا تنكسر أمام التجاهل.
وترتبط، لكنها لا تتعلق تعلقًا مرضيًا بمن لا يبادلها المشاعر نفسها.
ومن هنا تصبح أكثر قدرة على التمييز بين الحب الحقيقي والاهتمام المؤقت.
فليست كل رسالة حبًا، وليست كل مجاملة تقديرًا، وليست كل علاقة صادقة.
المرأة المشبعة عاطفيًا تملك بوصلة داخلية تساعدها على قراءة الأشخاص بصورة أوضح. لأنها لا تنبهر بسهولة، ولا تندفع خلف الوعود الكبيرة، ولا تفسر الفتات على أنه وليمة مشاعر.
لقد تعلمت من أبيها كيف يبدو الاهتمام الحقيقي، لذلك يصعب خداعها بالنسخ المزيفة منه.
وهنا تظهر المفارقة الجميلة.
فالأب لا يصنع فقط ذكريات طفولة ابنته، بل يضع المعيار الأول الذي ستقيس به كثيرًا من العلاقات لاحقًا.
ولهذا يبدو عنوان هذا المقال صادقًا إلى حد بعيد:
أبي... النموذج الذي أربك كل المقارنات.
فالبنت التي عرفت أبًا حنونًا، محترمًا، كريم المشاعر، حاضرًا في تفاصيلها الصغيرة قبل الكبيرة، لا تقارن الرجال بأبيها لأن أحدًا طلب منها ذلك، بل لأن ذاكرتها العاطفية تفعل ذلك تلقائيًا.
إنها لا تبحث عن نسخة مطابقة منه، فلكل إنسان شخصيته المختلفة، لكنها تبحث عن الأثر نفسه.
عن الرجل الذي يمنحها الطمأنينة بدل القلق.
والثقة بدل الحيرة.
والاحترام بدل الاستنزاف.
والحضور بدل الغياب.
ولهذا ليس غريبًا أن ترتفع معاييرها في الاختيار.
فمن اعتادت الاحترام لن تقبل الإهانة بسهولة.
ومن عرفت الأمان لن تتصالح مع الفوضى العاطفية.
ومن ذاقت الاحتواء لن يرضيها اهتمام موسمي عابر.
وفي المقابل، فإن الفتاة التي لم تحصل على هذا الرصيد العاطفي قد تقضي سنوات طويلة تحاول ترميم ما كُسر داخلها دون أن تعرف مصدر الكسر الحقيقي.
لكن أجمل ما في النفس الإنسانية أنها قادرة على التعافي.
فما لم يحصل عليه الإنسان في طفولته يمكن أن يعمل على ترميمه بالنضج والوعي وفهم ذاته.
وما تركه الغياب من فراغ يمكن أن يلتئم إذا توقف الإنسان عن البحث عن العلاج في الأماكن الخاطئة.
ولعل الرسالة الأهم هنا لكل أب هي أن أبناءه قد ينسون كثيرًا من التفاصيل، لكنهم لن ينسوا أبدًا كيف جعلهم يشعرون.
فالذاكرة العاطفية لا تحفظ عدد الهدايا، لكنها تحفظ الدفء.
لا تحفظ قيمة المصروف، لكنها تحفظ قيمة الاحتواء.
لا تحفظ الأشياء بقدر ما تحفظ الأثر.
وربما لهذا السبب لا يكبر الآباء في قلوب بناتهم بالطريقة التي يكبر بها الآخرون.
فهم يظلون جزءًا من تعريفها للحب، وللأمان، وللقيمة، وللرجل الذي تستحقه.
ولهذا فإن أجمل ما يمكن أن يقدمه الأب لابنته ليس المال ولا الامتيازات ولا الهدايا، رغم أهمية كل ذلك.
أجمل ما يمكن أن يقدمه لها أن يجعلها تغادر طفولتها وهي مقتنعة تمامًا بأنها تستحق الحب والاحترام.
فإذا امتلكت هذه القناعة، دخلت الحياة كلها من باب مختلف.
أحبت دون خوف.
واختارت دون لهفة.
ورفضت ما لا يليق بها دون تردد.
وعرفت أن الرجل الذي يدخل حياتها ليس منقذًا من فراغ قديم، بل شريكًا يضيف إلى امتلائها معنى جديدًا.
عندها فقط تتحول البنوة من مرحلة عمرية إلى حصانة نفسية ترافق المرأة العمر كله.
وعندها فقط نفهم لماذا يبقى الأب، في وجدان كثير من البنات، النموذج الذي أربك كل المقارنات... ليس لأنه كامل، بل لأنه كان أول رجل علّم قلبها كيف يبدو الأمان.
