رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

دكتور أمل منصور تكتب: كلما أصلحت أكثر تراجع أكثر.. الوجه الخفي لمثالية الزوجة

دكتورة أمل منصور
دكتورة أمل منصور

ليست كل الخسارات تأتي من الإهمال، وبعض العلاقات لا تتآكل بسبب القسوة أو الفتور، بل بسبب فائض من العطاء لم يُحسب له حساب. هناك نساء لا يعرفن كيف يتركن الأمور تمضي دون تدخل، لا لأنهن متسلطات، بل لأنهن شديدات الإحساس بالمسؤولية، يرين أن الحب يُقاس بالفعل، وأن الشراكة تعني أن تُغلق كل الثغرات قبل أن تتحول إلى أزمات. تبدو الصورة من الخارج مثالية: زوجة واعية، حاضرة، تُمسك بخيوط البيت كلها، تُفكر، تُقرر، تُصلح، وتُعيد ترتيب ما يختل قبل أن ينهار. لكن ما لا يُرى بسهولة، أن هذه المثالية نفسها قد تُعيد تشكيل العلاقة بطريقة تُقصي طرفًا كاملًا دون إعلان.

المرأة التي تعتاد أن تكون “الحل”، لا تترك مساحة حقيقية لوجود “باحث عن حل” أمامها. هي لا تفعل ذلك عن قصد، ولا تسعى لإلغاء شريكها، لكنها تُغلق الأبواب التي يمكن أن يمر منها دوره. في كل مرة تُسرع فيها لاحتواء أزمة قبل أن تُناقش، في كل موقف تُقرر فيه بدلًا من أن تتشارك، في كل عبء ترفعه عن كتفيه دون أن تمنحه فرصة حمله، هي تضع لبنة صغيرة في جدار خفي يفصل بين “الدور” و”الغياب”.

الرجل في هذه المعادلة لا يختفي فجأة، ولا ينسحب بقرار واضح، بل يتراجع بخطوات هادئة، تكاد لا تُرى. في البداية يشعر بالامتنان، ثم بالراحة، ثم بشيء يشبه الإعفاء غير المعلن. مع الوقت، يتحول هذا الإعفاء إلى نمط، والنمط إلى عادة، والعادة إلى قناعة داخلية بأن وجوده ليس شرطًا لحل ما يحدث. لا أحد يقول له ذلك صراحة، لكن كل موقف تُدار فيه الأزمة بدونه، وكل قرار يُتخذ دون الرجوع إليه، يهمس له بنفس الرسالة: “الأمور تسير حتى في غيابك”.

المفارقة القاسية أن المرأة هنا لا تسعى للسيطرة، بل للهروب من الفوضى. هي لا تُقصي الرجل، بل تُحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه. تخاف من التراكم، من التعقيد، من أن تتضخم المشكلات الصغيرة وتتحول إلى أزمات كبيرة، فتختار أن تُنهي كل شيء بسرعة. هي لا تنتظر، لأنها ترى أن الانتظار رفاهية قد لا تتحملها العلاقة. لكن ما لا تنتبه له، أن “سرعة الحل” قد تُكلف العلاقة بطء الشعور، وأن “إنهاء الأزمات” قد يخلق أزمة أعمق تتعلق بتوزيع الأدوار.

الرجولة في جوهرها ليست سلطة، ولا صوتًا أعلى، ولا قرارًا منفردًا، بل شعور داخلي بالقدرة والتأثير. هذا الشعور لا ينمو في الفراغ، ولا يتشكل بالكلمات، بل يتغذى على المواقف. كل مرة يُسمح للرجل فيها أن يواجه، أن يُخطئ، أن يُحاول، أن يتعلم من ارتباكه، هي فرصة لتعزيز حضوره. وكل مرة تُسحب منه هذه الفرصة، حتى لو بنية المساندة، هي خصم غير مباشر من رصيده الداخلي.

تعتاد بعض النساء أن يكنّ “الطرف الأقوى” في كل شيء: إدارة المصروفات، التعامل مع الأزمات، تنظيم الأولويات، اتخاذ القرارات الصعبة. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الاعتياد إلى عبء صامت. هي لا تشتكي في البداية، لأنها اختارت هذا الدور، بل شعرت بالفخر لقدرتها على تحمّله. لكن الفخر يتحول تدريجيًا إلى إرهاق، والإرهاق إلى استياء مكتوم، ثم إلى سؤال داخلي لا يُقال بصوت عالٍ: “لماذا أحمل كل هذا وحدي؟”.

الإجابة القريبة تبدو جاهزة: “لأنه لا يفعل”. لكن الإجابة الأعمق أكثر تعقيدًا: “لأنه تعلّم أن لا يفعل”. ليس بالتلقين، بل بالتجربة. تعلّم أن هناك من سيقوم بالمهمة قبله، وأن هناك من سيُصحح إن أخطأ، وأن هناك من سيُنقذ الموقف إذا تعثر. في عالم تُدار فيه الأمور بهذه الطريقة، يصبح الجهد غير ضروري، والمبادرة غير ملحّة، والمحاولة نفسها قابلة للتأجيل.

الأمر لا يتعلق بضعف الرجل بقدر ما يتعلق بطبيعة التكيّف البشري. الإنسان بطبعه يميل إلى الطرق الأسهل، وإلى تقليل الجهد إذا وجد من يقوم به عنه. ومع الوقت، يتحول هذا الميل إلى أسلوب حياة داخل العلاقة. لا لأنه لا يُحب، ولا لأنه لا يهتم، بل لأنه لم يعد يرى ضرورة لأن يُثبت ذلك بالفعل.

الخطورة هنا لا تكمن فقط في اختلال التوازن، بل في إعادة تعريف العلاقة نفسها. تتحول الزوجة من “شريكة” إلى “مركز إدارة”، ويتحول الزوج من “طرف فاعل” إلى “مستفيد من الاستقرار”. ومع هذا التحول، يتغير شكل التفاعل بينهما. تقلّ الحوارات الحقيقية، وتزيد القرارات الجاهزة. تختفي المساحات التي كان يمكن أن يُبنى فيها التفاهم، ويحل محلها نظام عملي صارم يُدير الحياة بكفاءة، لكنه يُفرغها من التشارك.

بمرور الوقت، قد تبدأ المرأة في التعبير عن ضيقها، تطلب المساندة، تُحاول إعادة توزيع الأدوار. لكنها تصطدم برد فعل بارد أو متردد. ليس عنادًا، بل لأن الطرف الآخر لم يتدرّب على هذا الدور، ولم يُطلب منه بجدية من قبل. هي الآن تطلب منه أن يكون حاضرًا في مساحة لم يُسمح له بدخولها منذ البداية.

العودة هنا ليست سهلة، لأن الأدوار في العلاقات لا تتغير بقرار مفاجئ، بل تحتاج إلى إعادة بناء تدريجية. تحتاج المرأة أن تُدرك أن بعض الفوضى ضرورية، وأن ترك مساحة للخطأ ليس تقصيرًا، بل استثمار في توازن طويل المدى. وتحتاج أن تقبل أن الحل قد لا يأتي بالكفاءة التي اعتادت عليها، وأن البطء أحيانًا جزء من التعلم، لا علامة على العجز.

وفي المقابل، يحتاج الرجل أن يُعيد اكتشاف موقعه، لا كرد فعل على شكوى، بل كمسؤولية حقيقية. أن يُدرك أن الراحة التي اعتاد عليها لها ثمن، وأن هذا الثمن قد يكون تآكل حضوره في العلاقة. عليه أن يخرج من منطقة التلقي إلى منطقة الفعل، حتى لو بدأ بخطوات بسيطة، وحتى لو أخطأ في البداية.

العلاقة الصحية لا تقوم على طرف يُجيد كل شيء، وطرف يكتفي بالمشاهدة، بل على توازن دقيق بين القدرة والرغبة والمساحة. كل طرف يحتاج أن يشعر أنه مؤثر، وأن وجوده يُضيف، وأن غيابه يُحدث فرقًا. هذا الشعور لا يُمنح بالكلمات، بل يُبنى بالمواقف التي تُتيح لكل طرف أن يكون جزءًا من الحل، لا مجرد متفرج على نتائجه.

المثالية الزائدة تبدو للوهلة الأولى فضيلة، لكنها قد تتحول إلى فخ ناعم. فخ يجعل المرأة تحمل أكثر مما ينبغي، ويجعل الرجل يتراجع أكثر مما يجب. وفي المنتصف، تقف العلاقة محمّلة بكل شيء إلا “التوازن”. ليست المشكلة أن تُعطي المرأة كثيرًا، بل أن تعطي في الاتجاه الذي يُلغي الحاجة لوجود الآخر.

في النهاية، ليست الشراكة أن تُنقذي العلاقة وحدك، ولا أن يتحمل الآخر العبء بدلًا منك، بل أن تُتركي مساحة كافية ليكون هناك “نحن”، لا “أنا التي تفعل كل شيء” ولا “هو الذي ينتظر أن يُفعل له كل شيء”. التوازن لا يأتي من الكمال، بل من توزيع النقص بطريقة عادلة، تسمح لكل طرف أن يكتمل بالآخر، لا أن يختفي خلفه.

تم نسخ الرابط