دكتور أمل منصور: ليست علاقتنا ناقصة.. لكن عيوننا امتلأت بغيرها
تبدأ الحكاية غالبًا بشكل بسيط… لقاء عابر، إعجاب خفيف، محاولة للتعرف، ثم خطوات حذرة نحو مساحة مشتركة. في هذه المرحلة الأولى، لا تكون العلاقة مثقلة بالتوقعات، بل يغلفها الفضول والرغبة في الاكتشاف. يرى كل طرف الآخر بعين تميل إلى الصفاء، ويمنحه مساحة من القبول لا تخضع بعد لمقاييس دقيقة.
لكن حتى في هذه البداية، لم نعد نلتقي كصفحات بيضاء كما كان يحدث قديمًا… نحن نحمل في ذاكرتنا صورًا لعلاقات شاهدناها، وقصصًا سمعناها، ومشاهد مرّت أمام أعيننا حتى وإن لم نكن جزءًا منها. لم تعد المقارنة قرارًا واعيًا، بل أصبحت خلفية صامتة ترافق كل بداية.
يتقدم التعارف قليلًا، وتبدأ الملامح تتضح، ويظهر الاختلاف، ويبدأ العقل في عمله المعتاد… القياس. ليس بالضرورة أن يكون قياسًا قاسيًا في البداية، لكنه موجود. سؤال خافت يتسلل: هل هذا الشخص يشبه ما كنت أتخيله؟ هل هذه الطريقة في الاهتمام كافية؟ هل هذا المستوى من الحضور مقنع؟
ومع كل تصفح عابر على الهاتف، أو حكاية نسمعها من صديقة، أو موقف نراه أمامنا في الحياة، تتكون صورة أخرى… صورة لعلاقة تبدو أكثر اكتمالًا، أكثر اهتمامًا، أكثر رومانسية. لا أحد يخبرنا أن هذه الصور غالبًا مجتزأة، ولا أحد يذكرنا أن ما نراه هو لحظة، لا حياة كاملة.
في هذه المرحلة، تبدأ بذور المقارنة الأولى… ليست صريحة، لكنها فعالة. وقد لا تفسد العلاقة فورًا، لكنها تغيّر زاوية النظر. يتحول التقدير إلى تقييم، والإعجاب إلى مقارنة، والقبول إلى بحث عن “الأفضل”.
ثم تأتي مرحلة أكثر عمقًا… مرحلة القرب الحقيقي أو الخطوبة، حيث تبدأ العلاقة في أخذ شكل أوضح، ويبدأ الطرفان في التفكير في الاستمرار. هنا، لا تعود المقارنة مجرد فكرة عابرة، بل تتحول إلى معيار خفي يُقاس عليه كل شيء.
تبدأ التفاصيل الصغيرة في اكتساب وزن أكبر… رسالة لم تُرسل، مكالمة لم تحدث، مناسبة مرت دون لفتة خاصة. لا تُرى هذه التفاصيل بمعزل، بل توضع مباشرة في كفة مقارنة مع ما نراه أو نسمعه عن علاقات أخرى. فجأة، لا يصبح السؤال: هل شريكي جيد؟ بل يصبح: هل هو جيد بما يكفي مقارنة بغيره؟
والمشكلة هنا لا تكمن فقط في المقارنة، بل في أنها تتم مع نسخ غير حقيقية. ما يُعرض أمامنا، سواء على الشاشات أو حتى في الواقع، غالبًا ما يكون مُنتقى بعناية. الناس تعرض أجمل ما لديها، وتخفي ما يثقلها. نرى الاحتفال، ولا نرى الخلاف. نرى الهدية، ولا نرى ما سبقها من جفاء. نرى الصورة، ولا نرى القصة.
ومع ذلك، يتأثر القلب… ويبدأ في إعادة تقييم ما يملكه. ليس لأنه سيء، بل لأنه لا يشبه ما يُعرض.
تدخل العلاقة في اختبار صعب… اختبار غير معلن. يبدأ أحد الطرفين، أو كلاهما، في رفع سقف التوقعات دون أن يصرّح. ينتظر أفعالًا لم يُطلب حدوثها، ويتألم من غياب أمور لم يُخبر بها. وهنا تتسع الفجوة، ليس بسبب نقص حقيقي، بل بسبب صورة ذهنية أصبحت أكثر حضورًا من الواقع نفسه.
وفي مرحلة الزواج، يصبح الأمر أكثر تعقيدًا. لم تعد العلاقة مجرد مشاعر، بل حياة كاملة بتفاصيلها ومسؤولياتها وضغوطها. ومع ذلك، تستمر المقارنة… بل قد تصبح أكثر حدة.
ترى الزوجة نموذجًا لرجل مثالي في حديث صديقاتها، أو في منشور عابر، فتبدأ في النظر إلى زوجها بعين مختلفة. ليس لأنه تغيّر، بل لأن المعايير تغيّرت داخلها. يصبح ما كان مقبولًا في السابق غير كافٍ الآن. تتسلل مشاعر من عدم الرضا، وقد لا تعلنها مباشرة، لكنها تظهر في نبرة الصوت، في طريقة الحديث، في كثرة العتاب.
وفي المقابل، قد يرى الرجل صورًا لنساء مثاليات، فيبدأ في مقارنة زوجته دون أن يدرك أنه يقارنها بنموذج غير حقيقي. قد يشعر أن هناك شيئًا ناقصًا، دون أن يستطيع تحديده بدقة. فيتحول هذا الشعور إلى برود، أو نقد، أو انسحاب تدريجي.
الأخطر من ذلك أن المقارنة لا تقتل الرضا فقط، بل تقتل الامتنان. تفقد العلاقة قدرتها على أن تكون مصدر راحة، وتتحول إلى مساحة تقييم مستمر. كل طرف يشعر أنه في اختبار، وكل تصرف يُحسب عليه.
تبدأ المسافة العاطفية في الاتساع، رغم أن الأسباب الظاهرة قد تبدو بسيطة. لا أحد يقول بوضوح: أنا أقارنك بغيرك. لكن الأثر واضح… فتور، توتر، شعور دائم بأن هناك شيئًا ينقص.
وما يزيد الأمر تعقيدًا أن بعض هذه المقارنات لا يأتي من العالم الافتراضي فقط، بل من الواقع أيضًا. قد نقابل أشخاصًا تبدو علاقاتهم مثالية، أو نسمع قصصًا تجعلنا نشعر أن ما نعيشه أقل. ننسى أن لكل علاقة ظروفها، وأن ما يظهر لا يعكس دائمًا الحقيقة.
في النهاية، لا تنهار العلاقات دائمًا بسبب أخطاء كبيرة، بل أحيانًا بسبب هذا التآكل البطيء… بسبب نظرة لم تعد ترى ما هو موجود، بل ما هو مفقود مقارنة بغيره.
العلاقة لا تحتاج أن تكون مثالية، بل أن تكون صادقة. لكن الصدق يصبح غير كافٍ في عيون امتلأت بصور مثالية.
الرسالة التي يحملها هذا المقال بسيطة، لكنها مؤلمة:
انتبه لما تملأ به عينيك… لأن قلبك سيتأثر به حتمًا.
ليس كل ما تراه يستحق أن تقيس عليه حياتك، وليس كل ما تملكه ناقصًا فقط لأنه لا يشبه غيره.
أحيانًا، لا تكون المشكلة في العلاقة… بل في المقاييس التي نحاكمها بها.
