رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

دكتورة أمل منصور تكتب: غرباء.. دون أن نفترق

دكتورة أمل منصور
دكتورة أمل منصور

 

هناك نوع من الغربة لا يحتاج إلى سفر، ولا يفرضه بعد المسافات، ولا تخلقه اختلافات ظاهرة يمكن رصدها أو تفسيرها بسهولة… غربة أكثر هدوءًا، وأكثر قسوة، لأنها تحدث ونحن في المكان ذاته، نتشارك السقف نفسه، وربما السرير نفسه، لكننا لا نلتقي.
غربة لا يراها أحد، ولا يسمعها أحد، لكنها تُعاش كل يوم، في تفاصيل صغيرة تبدو عادية… لكنها تحمل داخلها فراغًا كبيرًا.

أن تكون قريبًا جسديًا لا يعني أنك حاضر شعوريًا.
وأن تعيش مع شخص لا يعني أنك وصلت إليه.
فالقرب الحقيقي ليس في المسافة التي تفصل بين جسدين، بل في المساحة التي يملؤها الإحساس بين قلبين.

في كثير من العلاقات، تبدأ الحكاية بشكل بسيط جدًا… لا خلافات كبيرة، لا صدمات واضحة، لا خيانات تهدم كل شيء دفعة واحدة.
بل على العكس، كل شيء يبدو “طبيعيًا” إلى حد مقلق.
يمر اليوم تلو الآخر، وتُنجز المهام، وتُدار الحياة بكفاءة، لكن شيئًا ما يتسلل بهدوء… ينسحب من العلاقة دون أن ننتبه: الشعور.

الإهمال لا يأتي فجأة، بل يبدأ كتفصيلة صغيرة يتم تجاهلها.
كلمة لم تُقال.
اهتمام لم يُظهر.
تفصيلة لم تُلاحظ.
ومع الوقت، تتحول هذه التفاصيل الصغيرة إلى فجوة، ثم إلى مسافة، ثم إلى غربة كاملة.

الاعتياد، هذا العدو الصامت للعلاقات، يجعل كل شيء متوقعًا… بلا دهشة، بلا شغف، بلا رغبة حقيقية في الاكتشاف.
كل طرف يعرف ماذا سيقول الآخر، كيف سيتصرف، ماذا سيفعل… فيتوقف الفضول، ويتوقف معه جزء كبير من الحياة داخل العلاقة.

ثم يأتي الانشغال…
ليس فقط انشغال العمل، بل انشغال كل طرف بعالمه الخاص.
أصدقاء، هاتف، اهتمامات، مسؤوليات…
تزدحم الحياة من الخارج، وتفرغ العلاقة من الداخل.

وأحيانًا، تكون الصدمة أعمق من ذلك كله…
تحدث بعد الزواج، حين يكتشف الطرفان أن “كل شيء كان يبدو صحيحًا”… لكنه لم يكن مناسبًا.

فليس كل شخص جيد… مناسب.
وليس كل علاقة مكتملة المواصفات… قابلة للحياة.
قد يكون كلاهما على قدر عالٍ من الأخلاق، والاحترام، والالتزام… لكن هناك شيء لا يُقاس بهذه المعايير: الانسجام.

ذلك الإيقاع الداخلي الذي يجعل الحوار سهلًا، والصمت مريحًا، والوجود مشبعًا.
وعندما يغيب هذا الانسجام، لا يحدث صدام بالضرورة… بل يحدث فراغ.
فراغ لا يُفسر، لكنه يُشعر.

وهنا تبدأ مرحلة مربكة…
لا يوجد سبب واضح للشكوى، لكن لا يوجد شعور حقيقي بالراحة.
لا خلافات كبيرة، لكن لا دفء.
لا أذى صريح، لكن لا قرب.

في هذه المرحلة، يبدأ كل طرف في البحث عن تفسير… أو في تجاهل الأمر تمامًا.
فنختار الصمت، ليس لأنه الحل… بل لأنه الأسهل.

الصمت في العلاقات ليس دائمًا هدوءًا، بل أحيانًا يكون انسحابًا.
نتوقف عن قول ما نشعر به، لأننا لا نريد مواجهة رد فعل، أو لأننا نشعر أن الكلام لن يُغير شيئًا.
ومع كل مرة نختار فيها الصمت بدل التعبير، نضيف طبقة جديدة من البعد.

حتى يصبح الحوار بيننا… وظيفيًا فقط.
“هل فعلت كذا؟”
“ماذا سنأكل؟”
“متى ستعود؟”
أسئلة تدير الحياة… لكنها لا تُحيي العلاقة.

وهنا، تتحول العلاقة إلى شكل بلا روح.
نستمر… لأننا اعتدنا.
نستمر… لأن هناك أبناء.
نستمر… لأن الانفصال أصعب من التحمل.
نستمر… لأن كل شيء “مقبول”… رغم أنه ليس حيًا.

الغريب أن هذا النوع من العلاقات لا ينهار بسهولة… لأنه لا يوجد ما يُفجره.
بل يستمر في هدوء، في برود، في غياب تدريجي للشعور، حتى يصبح هذا الغياب هو الوضع الطبيعي.

ومن أخطر علامات هذه الغربة:
أن يتوقف الشوق.
أن يصبح غياب الطرف الآخر لا يُلاحظ.
أن تختفي الرغبة في الحديث.
أن لا يهم إن شاركت تفاصيل يومك… أو احتفظت بها لنفسك.

أن تصبح العلاقة مساحة آمنة… لكن فارغة.

وهنا يطرح السؤال نفسه بهدوء مؤلم:
هل هذه النهاية؟
أم أنها مجرد إنذار؟

الحقيقة أن غربة الشعور ليست دائمًا نهاية… لكنها بالتأكيد علامة.
علامة على أن هناك شيئًا يحتاج إلى انتباه، إلى مواجهة، إلى شجاعة.

إنقاذ العلاقة لا يبدأ بمحاولات كبيرة، بل بصدق صغير.
أن يعترف كل طرف لنفسه أولًا: “أنا لا أشعر كما كنت أشعر”.
دون اتهام، دون هروب، دون تجميل.

ثم يأتي الدور الأصعب: التعبير.
ليس بهدف اللوم، بل بهدف الفهم.
أن نتحدث لنُكشف… لا لنُدين.

إعادة الدفء لا تحتاج دائمًا إلى تغييرات جذرية، بل إلى عودة أشياء بسيطة:
الإنصات الحقيقي، لا انتظار الدور في الكلام.
الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة، لأنها كانت يومًا كل شيء.
محاولة رؤية الآخر من جديد… لا التعامل معه كنسخة محفوظة في الذاكرة.

وأهم من ذلك… أن ندرك أن الحب لا يختفي فجأة، بل يتوقف عن التعبير.
وما يتوقف عن التعبير… يمكن أن يعود، إذا وجد من يمنحه فرصة.

لكن في المقابل، هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها:
ليست كل العلاقات قابلة للإنقاذ.
بعضها لم يُبنَ على انسجام من البداية، وبعضها استُهلك حتى فقد روحه تمامًا.

وهنا، يكون الوعي مؤلمًا… لكنه ضروري.
لأن الاستمرار في علاقة بلا شعور، لا يقل قسوة عن الانفصال… بل أحيانًا يفوقه.

في النهاية…
أخطر أنواع الغربة ليست تلك التي تبعدنا عن الآخرين،
بل تلك التي تجعلنا نعيش معهم… دون أن نصل إليهم.

أن تكون مع شخص… ولا تشعر به،
أن تتحدث… ولا تُسمع،
أن تعيش… ولا تشارك،

تلك ليست حياة مشتركة…
بل عزلة مزدوجة.

وربما…
لا نحتاج دائمًا إلى معجزات لنعود،
بل فقط إلى لحظة صدق،
نقرر فيها أن نحاول… قبل أن نصبح فعلًا
غرباء… دون أن نفترق.

تم نسخ الرابط