دكتورة أمل منصور تكتب: بين عيدين.. تقف الأم كأجمل صدفة لا تتكرر
هناك أعياد نعدّ لها الأيام، ننتظرها، نخطط لها، ونستعيد معها شيئًا من خفة القلب التي نفتقدها وسط زحام الحياة. وهناك أشخاص لا ننتبه أنهم العيد ذاته… إلا إذا اقتربت المناسبات وكشفت لنا الحقيقة. وفي هذا التزامن النادر، حيث يلتقي عيد الأم مع ثاني أيام عيد الفطر، لا يتضاعف الفرح بقدر ما يتعمّق… وكأن المشاعر قررت أن ترفع صوتها فجأة لتقول: انتبهوا… ما تحتفلون به ليس مناسبتين، بل معنى واحد يتجسد في وجه امرأة.
العيد هنا لا يأتي مرتين… بل يكشف عن وجهه الحقيقي مرتين. مرة في بهجة الشوارع، وملامح الأطفال، وروائح الكعك، وأصوات التهاني التي تتردد بين الناس. ومرة أخرى أكثر هدوءًا، أكثر دفئًا، وأكثر صدقًا… في قلب أم لا تنتظر شيئًا، لكنها تمنح كل شيء.
في زحام التفاصيل، قد يبدو الأمر وكأنه مجرد تزامن عابر بين مناسبتين. لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. لأن هذا التلاقي يضعنا أمام سؤال بسيط في ظاهره، قاسٍ في معناه: هل كنا نرى الأم فعلًا؟ أم كنا نراها كجزء من المشهد لا كمصدر له؟
الأم ليست تفصيلًا في العيد… هي من تصنع التفاصيل كلها. هي التي تجهّز، ترتب، تتذكر من نسي، وتمنح دون أن تنتظر أن يُذكر اسمها في قائمة الامتنان. تخلق جوًا لا يمكن تفسيره بالكلمات، لكنه يُفقد فور غيابها. وكأنها لا تقوم بالأدوار فقط، بل تمنح المكان روحه.
وفي هذا التلاقي بين عيدين، تظهر مفارقة مؤلمة قليلًا… أن الأم، التي هي محور هذا الفرح، قد تكون أقل من يحتفل بها فعليًا. تنشغل بإسعاد الجميع، تتأكد أن كل شيء يسير كما يجب، بينما تمرّ عليها المناسبة وكأنها مهمة أخرى تُضاف إلى قائمة مهامها. تبتسم، تُطعم، تستقبل، ترتب، وتؤجل نفسها مرة أخرى… دون أن تعلن ذلك.
هنا، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل نحتفل بالأم، أم نستخدمها لنحتفل؟
هذا السؤال لا يحمل اتهامًا بقدر ما يحمل دعوة لإعادة النظر. لأننا، ببساطة، اعتدنا على وجودها لدرجة أننا لم نعد نرى حجم ما تقدمه. اعتدنا على أن العيد "يكتمل" بوجودها، دون أن نتساءل إن كانت هي نفسها تشعر بالاكتمال.
وفي الجانب الآخر من الصورة، يقف أولئك الذين فقدوا أمهاتهم. بالنسبة لهم، لا يبدو هذا التزامن مضاعفًا للفرح، بل مضاعفًا للحنين. العيدان لا يأتيان ببهجة مضاعفة، بل بفراغ يتسع أكثر. كل تفصيلة كانت مرتبطة بها تصبح أكثر حضورًا، وكل ضحكة تُذكرهم بصوت لم يعد موجودًا.
هؤلاء يعرفون جيدًا ما لا نراه نحن. يعرفون أن الأم ليست مجرد علاقة… بل إحساس بالأمان لا يمكن تعويضه. وأن غيابها لا يُعوّضه أحد، مهما حاول. وأن العيد، بكل مظاهره، قد يتحول إلى طقس صاخب يخفي وراءه صمتًا ثقيلًا.
لهذا، قد يكون هذا التزامن رسالة غير مباشرة. رسالة تقول إن الامتنان لا يجب أن يكون مؤجلًا، ولا مشروطًا بمناسبة. لأن أكثر ما يؤلم في الفقد، ليس الغياب نفسه، بل كل ما لم يُقال قبل الغياب.
وفي زاوية أخرى، هناك امرأة تحاول أن تكون كل شيء في وقت واحد. أمًا، وزوجة، وركيزة للأسرة، ووجهًا ثابتًا وسط تقلبات الحياة. وفي العيد، تتضاعف أدوارها… لكنها لا تتضاعف في نظر الآخرين. يُنظر إليها كأم فقط، كوظيفة، كدور، لا كإنسانة تحتاج أن تُرى، أن تُحتفى، أن تُدلل قليلًا كما تدلل الجميع.
وهنا يظهر خلل صامت في العلاقات. لأن المرأة، مهما كانت قوية، تظل في حاجة إلى لحظة تشعر فيها أنها ليست فقط من يمنح… بل من يُمنح له أيضًا. أن هناك من يرى تعبها، ويقدّره، ويمنحها نفس الشعور بالأمان الذي تصنعه للآخرين.
العيد، في جوهره، ليس طقوسًا… بل شعور. شعور بالامتنان، بالتسامح، بالقرب. وإذا كان عيد الفطر يحمل معاني الرحمة والصفاء، فإن وجود عيد الأم بجانبه يضاعف هذه المعاني ويجعلها أكثر تحديدًا: الامتنان يجب أن يبدأ من أقرب الناس… من تلك التي كانت دائمًا هناك.
ليس المطلوب احتفالًا مبالغًا فيه، ولا هدايا باهظة، بل وعي مختلف. أن ننظر إليها بعين جديدة، أن نراها كإنسانة قبل أن نراها كأم، أن نسألها عما تحتاجه، لا عما نقدمه نحن. أن نمنحها لحظة راحة حقيقية، لا مجرد كلمات سريعة تُقال على عجل.
ربما أجمل ما في هذا التزامن، أنه يفتح نافذة نادرة. فرصة لإصلاح شيء تأجل، لقول كلمة لم تُقال، لاحتضان تأخر، لاعتذار صامت ينتظر أن يُفهم دون شرح طويل. وكأن العيدين اجتمعا ليقولا: هذه فرصتك… لا تؤجلها مرة أخرى.
وفي عمق النفس، هناك طفل لا يكبر. طفل يظهر بوضوح في الأعياد، يبحث عن نفس الإحساس القديم، نفس الأمان، نفس الدفء. والأم، وحدها، قادرة على إعادة هذا الشعور مهما تغيّرت الحياة. وجودها يعيد ترتيب الفوضى داخلنا، يجعل كل شيء يبدو أبسط، وأخف، وأقرب.
لهذا، لا يكون العيد عيدًا كاملًا دونها. ليس لأنها موجودة فقط، بل لأنها تمنحنا إحساسًا لا يمكن تفسيره… إحساس أن كل شيء سيكون بخير.
بين عيدين، لا تتضاعف المناسبات… بل تتضح الحقيقة. أن الأم لم تكن يومًا جزءًا من الاحتفال، بل كانت السبب فيه. لم تكن صدفة عابرة، بل كانت أجمل صدفة حدثت لنا… صدفة لا تتكرر، ولا تُعوّض، ولا يمكن استبدالها بأي شيء آخر.
ربما لا نملك القدرة على رد كل ما قدمته، وربما لن نصل أبدًا إلى حجم ما تستحقه. لكننا نملك شيئًا أبسط، وأصدق: أن نراها… حقًا. أن نحتفل بها بوعي، لا بعادة. أن نمنحها مكانها الحقيقي، لا مكانًا رمزيًا في يوم عابر.
لأن الحقيقة التي لا تقبل التأجيل، أن كل الأعياد يمكن أن تتكرر… إلا وجودها.

