دكتورة أمل منصور تكتب: من قرار الحرب إلى استعادة الأرض
ليست كل الأوطان تُقاس بحدودها الجغرافية فقط، بل بما تحمله في وجدان أبنائها من معنى الانتماء، وبما تختزنه أرضها من كرامة لا تُساوَم. وسيناء لم تكن مجرد قطعة أرض احتلت ثم عادت، بل كانت اختبارًا حقيقيًا لإرادة دولة، وصبر شعب، وقدرة قيادة على أن تمزج بين شجاعة القرار وحكمة التوقيت.
في الخامس والعشرين من أبريل من كل عام، لا تحتفل مصر فقط بذكرى تحرير سيناء، بل تستدعي قصة كاملة تبدأ بجرحٍ عميق، وتمر بلحظة قرار مصيرية، وتنتهي برفع العلم على أرضٍ استردت اسمها ومكانها. إنها قصة لم تُكتب بالسلاح وحده، ولا بالمفاوضات وحدها، بل كُتبت بمزيج معقد من الإيمان، والتخطيط، والقدرة على تحمّل كلفة القرار.
حين نتحدث عن قرار الحرب، فإننا نتحدث عن لحظة فارقة ارتبطت باسم الرئيس الراحل أنور السادات، الرجل الذي أدرك أن بقاء الوضع كما هو ليس خيارًا، وأن الجمود أخطر من المخاطرة. لم يكن القرار مجرد إعلان مواجهة عسكرية، بل كان إعلانًا عن استعادة الإرادة. فالحرب، في معناها الأعمق، لم تكن فقط لاسترداد الأرض، بل لاسترداد الثقة، وإعادة تعريف صورة الدولة في عيون نفسها قبل أن تكون في عيون الآخرين.
جاءت حرب أكتوبر 1973 لتكسر حالة السكون، وتعيد ترتيب المعادلات. لم تكن مجرد معركة عسكرية ناجحة، بل كانت نقطة تحول نفسية وسياسية. عبر الجنود قناة السويس، لكن الأهم أنهم عبروا من حالة الانكسار إلى حالة الفعل. كان العبور عبورًا مزدوجًا؛ عبورًا على الأرض، وعبورًا داخل الوجدان الجمعي.
وفي قلب هذه الحرب، برز دور الرئيس القائد محمد حسني مبارك كقائد للقوات الجوية، حيث لعبت الضربة الجوية الأولى دورًا محوريًا في تمهيد الطريق أمام العمليات العسكرية. لم تكن مجرد ضربة عسكرية، بل كانت رسالة دقيقة بأن التخطيط يمكن أن يصنع فارقًا، وأن عنصر المفاجأة يمكن أن يعيد كتابة النتائج. كانت لحظة أثبتت أن الحروب لا تُكسب بالشجاعة فقط، بل بحسابات دقيقة تُدار بعقل بارد وقلب ثابت.
لكن الحرب، رغم أهميتها، لم تكن نهاية القصة. فاستعادة الأرض لم تتحقق في يوم واحد، ولم تُحسم بالكامل في ساحة المعركة. هنا بدأت مرحلة أخرى لا تقل تعقيدًا، مرحلة تُدار فيها المعركة بالكلمات بدلًا من الرصاص، وبالصبر بدلًا من الاندفاع. مرحلة احتاجت إلى نفس طويل، وإلى قيادة تدرك أن ما تحقق في الحرب يجب أن يُستكمل على طاولة التفاوض.
ومع تولي محمد حسني مبارك مسؤولية الحكم لاحقًا، دخلت مصر مرحلة استكمال استرداد سيناء بالوسائل الدبلوماسية والقانونية. لم يكن الأمر مجرد استلام أرض، بل كان تثبيت حق، وإغلاق ملف طويل من الصراع. جاءت لحظة رفع العلم على كامل أرض سيناء في الخامس والعشرين من أبريل 1982، لتكون إعلانًا بأن المعركة قد اكتملت، وأن الأرض عادت، لا كمنحة، بل كحق تم انتزاعه عبر مسار طويل من التضحيات.
إن استعادة سيناء لم تكن انتصارًا عسكريًا فقط، ولا إنجازًا سياسيًا فقط، بل كانت نموذجًا نادرًا لقدرة الدولة على إدارة الصراع بمراحله المختلفة. من قرار الحرب، إلى إدارة المعركة، إلى استثمار نتائجها سياسيًا، وصولًا إلى استعادة الأرض كاملة. إنها رحلة تُظهر أن القوة ليست فقط في السلاح، بل في القدرة على استخدامه في اللحظة المناسبة، والتوقف عند اللحظة المناسبة أيضًا.
وعلى مستوى أعمق، يمكن قراءة هذه التجربة باعتبارها درسًا في معنى الكرامة الوطنية. فالدول، مثل الأفراد، تمر بلحظات ضعف، لكن الفارق الحقيقي يكمن في كيفية التعامل مع هذه اللحظات. هل تستسلم لها، أم تجعل منها نقطة انطلاق؟ ومصر، في هذه التجربة، اختارت أن تحوّل لحظة الانكسار إلى دافع لإعادة البناء.
ولعل ما يميز قصة سيناء هو أنها لم تكن قصة قيادة فقط، بل كانت قصة شعب كامل. شعب تحمّل تبعات الحرب، وصبر على تبعات السلام، وانتظر سنوات حتى تكتمل الصورة. فالانتصارات الكبيرة لا تُبنى في لحظة، بل تحتاج إلى زمن، وإلى إيمان جماعي بأن ما يُزرع اليوم سيُحصد غدًا.
كما أن هذه القصة تفتح بابًا مهمًا للتفكير في مفهوم النصر ذاته. هل النصر هو فقط ما يتحقق في ساحة القتال؟ أم أنه ما يُترجم لاحقًا إلى واقع مستقر؟ في حالة سيناء، يبدو أن النصر الحقيقي كان في القدرة على تحويل الإنجاز العسكري إلى واقع سياسي دائم، وفي القدرة على الحفاظ على الأرض بعد استعادتها.
ومن زاوية أخرى، تكشف تجربة استعادة سيناء عن توازن دقيق بين الحسم والمرونة. فالحسم كان حاضرًا في قرار الحرب، والمرونة كانت حاضرة في إدارة ما بعدها. وهذا التوازن هو ما صنع النتيجة النهائية. لأن الإفراط في أي منهما كان يمكن أن يغير مسار الأحداث بالكامل.
اليوم، وبعد مرور عقود على تحرير سيناء، لا تزال هذه القصة حاضرة في الوعي المصري، ليس فقط كذكرى، بل كمرجع. مرجع يُستدعى كلما واجهت الدولة تحديًا، وكلما احتاجت إلى استحضار نموذج يُثبت أن ما يبدو مستحيلًا في لحظة، يمكن أن يصبح واقعًا بإرادة واضحة ورؤية ممتدة.
سيناء التي عادت، لم تعد فقط إلى الخريطة، بل عادت إلى المعنى. عادت لتقول إن الأرض ليست مجرد مساحة، بل هي هوية. وإن الكرامة ليست شعارًا، بل هي مسار طويل من القرارات الصعبة. وإن النصر، في حقيقته، ليس لحظة عابرة، بل رحلة تبدأ بقرار، وتكتمل بالصبر، وتُخلَّد في الذاكرة.
وهكذا، يبقى الخامس والعشرون من أبريل ليس مجرد تاريخ، بل حكاية وطن اختار أن يكتب مصيره بيده. من قرار الحرب إلى استعادة الأرض، ومن لحظة المواجهة إلى لحظة رفع العلم، تظل سيناء شاهدًا حيًا على أن الأوطان التي تعرف قيمتها، لا تضيع… وإن تأخرت عودتها قليلًا.

