من التعليم إلى الاستثمار.. كيف تبني الدولة الإنسان قبل أن تبني المشروعات؟
في الوقت الذي تتسارع فيه وتيرة المشروعات القومية وتتوسع خريطة الاستثمار في مصر، لم يعد الحديث عن التنمية مقتصرًا على إنشاء الطرق أو المناطق الصناعية أو جذب رؤوس الأموال، بل أصبح الإنسان نفسه محورًا رئيسيًا في معادلة التنمية المستدامة.
فكل مشروع جديد يحتاج إلى كوادر مؤهلة، وكل استثمار ناجح يبحث عن بيئة تعليمية وبحثية قادرة على إعداد أجيال تمتلك المهارات والمعرفة اللازمة للمنافسة في سوق عالمي شديد التغير.

الدكتور مصطفى مدبولي
ومن هذا المنطلق، جاءت قرارات الاجتماع التاسع والتسعين لمجلس الوزراء برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي لتؤكد أن الدولة تتحرك وفق رؤية متكاملة، لا تفصل بين الاستثمار في الأرض والاستثمار في العقول، ولا ترى التنمية مجرد مبانٍ ومنشآت، وإنما مشروعًا وطنيًا يبدأ ببناء الإنسان، ثم يمتد إلى الاقتصاد والإنتاج والاستثمار.
ففي الوقت الذي وافق فيه المجلس على تخصيص 55.47 فدانًا بمدينة العين السخنة لتنفيذ مشروعات تنموية جديدة، جاءت حزمة من القرارات الأخرى لتكشف عن جانب آخر من فلسفة الدولة، يتمثل في تطوير منظومة التعليم الجامعي، وتوسيع الشراكات الدولية، وربط مخرجات التعليم باحتياجات الاقتصاد الوطني.
التنمية تبدأ من الإنسان
تؤكد التجارب الاقتصادية العالمية أن الدول التي نجحت في تحقيق قفزات تنموية لم تعتمد فقط على زيادة الاستثمارات، وإنما سبقت ذلك بإعداد الإنسان القادر على إدارة تلك الاستثمارات وتحويلها إلى قيمة مضافة.
وفي هذا الإطار، تبدو قرارات مجلس الوزراء وكأنها ترسم خريطة متكاملة للتنمية؛ فمن جهة يتم توفير الأراضي اللازمة للمشروعات الجديدة، ومن جهة أخرى يتم إعداد الكوادر البشرية التي ستقود تلك المشروعات خلال السنوات المقبلة.

ولعل هذا الترابط بين التعليم والاستثمار أصبح أكثر وضوحًا في السنوات الأخيرة، حيث تسعى الدولة إلى تحويل الجامعات إلى منصات لإعداد الخريجين القادرين على المنافسة في سوق العمل المحلي والدولي، مع التركيز على التخصصات التي تتوافق مع احتياجات الاقتصاد الحديث.
العين السخنة
جاءت موافقة مجلس الوزراء على تخصيص 55.47 فدانًا من أملاك الدولة الخاصة بمدينة العين السخنة لتنفيذ مشروعات تنموية جديدة، في إطار استمرار التوسع العمراني والصناعي الذي تشهده المنطقة.
وتعد العين السخنة واحدة من أهم المناطق الاقتصادية في مصر، نظرًا لموقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر، وقربها من المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، الأمر الذي يجعلها نقطة جذب للمشروعات الصناعية واللوجستية والاستثمارية.
ويمثل تخصيص الأراضي خطوة أساسية تسبق إقامة المشروعات، بما يفتح المجال أمام فرص عمل جديدة، وزيادة الإنتاج، وتعزيز مساهمة القطاع الخاص في دعم الاقتصاد الوطني.
الجامعات الدولية
وربما كان الجانب الأكثر دلالة في قرارات المجلس هو ما يتعلق بالتعليم، إذ وافق على تعديل مسمى "مؤسسة الجامعات الكندية في مصر" ليصبح "مؤسسة التعليم والابتكار"، وهو تعديل يعكس توجهًا نحو دور أشمل للمؤسسة يتجاوز مجرد استضافة الجامعات الأجنبية، ليشمل الابتكار والبحث العلمي وربط التعليم بالتنمية.
كما وافق المجلس على استضافة فرع جامعة أنجليا روسكين البريطانية داخل مصر، إلى جانب إضافة برامج أكاديمية جديدة لفرع جامعة جزيرة الأمير إدوارد الكندية، تشمل الاقتصاد والعلوم السياسية والتواصل التطبيقي والقيادة والثقافة.

ولا تقتصر أهمية هذه الخطوات على زيادة عدد الجامعات الدولية، بل تمتد إلى نقل الخبرات الأكاديمية العالمية إلى الداخل، وتقليل الحاجة إلى سفر الطلاب للدراسة بالخارج، مع توفير برامج تعليمية حديثة تتماشى مع التطورات العالمية.
تخصصات تلبي احتياجات المستقبل
ومن بين القرارات اللافتة أيضًا، الموافقة على إضافة ثلاثة مسارات جديدة لبرامج إدارة الأعمال بفرع جامعة هيرتفوردشاير داخل مصر، تشمل إدارة الموارد البشرية، وإدارة الأعمال الدولية، والتسويق.
وتعكس هذه التخصصات إدراكًا متزايدًا لطبيعة سوق العمل المعاصر، الذي أصبح يعتمد على الإدارة الاحترافية، والتسويق الرقمي، وإدارة الكفاءات البشرية، والقدرة على العمل في بيئات اقتصادية دولية.
كما تمت الموافقة على إضافة برامج دراسية جديدة إلى مؤسسة مودرن جروب الجامعية، التي تستضيف فرعي جامعتي سانت بطرسبرج وكازان الفيدرالية الروسيتين، بما يسهم في تنويع الخيارات التعليمية أمام الطلاب المصريين.
الاستثمار
ولم تغفل قرارات المجلس الجانب الصناعي والاستثماري، حيث تمت الموافقة على إقامة مشروع جديد بنظام المناطق الحرة الخاصة لشركة "كرنك تكستايل للملابس الجاهزة" بمدينة السادات بمحافظة المنوفية، باستثمارات تقدر بنحو 15 مليون دولار.

ويمثل المشروع إضافة جديدة لقطاع الصناعات التصديرية، بما ينعكس على زيادة الإنتاج المحلي، وتعزيز الصادرات، وتوفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، فضلًا عن دعم الصناعات المغذية وسلاسل الإمداد.
كما تؤكد هذه الخطوة استمرار الدولة في تحسين مناخ الاستثمار، وتقديم التيسيرات اللازمة لجذب المزيد من المشروعات الصناعية.
التحول الرقمي
وفي إطار تطوير الأداء الحكومي، وافق المجلس على نقل تبعية مركز معلومات قطاع الأعمال العام إلى رئاسة مجلس الوزراء، بما يعزز تكامل قواعد البيانات ودعم عملية صنع القرار.
كما وافق على تعاقد وزارة المالية، ممثلة في مصلحة الضرائب المصرية، مع إحدى الشركات المتخصصة في تشغيل الحلول الضريبية لتنفيذ خدمات الاستضافة والتشغيل والدعم الفني لمنظومة الإيصال الإلكتروني (B2C).

وتأتي هذه الخطوة ضمن جهود الدولة لتعزيز التحول الرقمي، ورفع كفاءة المنظومة الضريبية، وتحقيق مزيد من الشفافية، وتوسيع الاقتصاد الرسمي.
رؤية متكاملة للمستقبل
عند قراءة هذه القرارات مجتمعة، يتضح أنها لا تمثل مجموعة من الإجراءات المنفصلة، وإنما تعكس رؤية تنموية متكاملة تقوم على أربعة محاور رئيسية: تنمية الإنسان، وجذب الاستثمار، وتطوير الصناعة، والتحول الرقمي.
فالدولة تدرك أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من التعليم، وأن الجامعات ليست مؤسسات لمنح الشهادات فحسب، بل مصانع لإنتاج المعرفة والكفاءات، بينما تمثل المشروعات الصناعية والاقتصادية البيئة التي تستوعب هذه الكفاءات وتحولها إلى قوة إنتاجية تسهم في دعم الاقتصاد الوطني.
كما أن تطوير البنية الرقمية والإدارية يمثل الضامن لاستدامة هذا النمو، من خلال تحسين كفاءة الخدمات الحكومية، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز الثقة لدى المستثمرين.

الإنسان في قلب التنمية
وفي النهاية تكشف قرارات مجلس الوزراء الأخيرة عن فلسفة تنموية تتجاوز المفهوم التقليدي للتنمية، فبين تخصيص أراض لمشروعات جديدة، واستقطاب جامعات دولية، وتحديث البرامج الأكاديمية، وتشجيع الاستثمار الصناعي، وتطوير المنظومة الرقمية، تتشكل ملامح استراتيجية تضع الإنسان في قلب عملية التنمية.
فبناء المصانع والطرق والمناطق الصناعية يظل خطوة مهمة، لكنه لا يحقق أهدافه دون إنسان متعلم، يمتلك المهارة والابتكار والقدرة على المنافسة. ومن هنا، تبدو الرسالة الأبرز لهذه القرارات واضحة: الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر استدامة، والتعليم هو الجسر الذي تعبر من خلاله الدولة نحو اقتصاد أكثر تنافسية، ومجتمع أكثر قدرة على صناعة المستقبل.



