رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

مشروع بمواصفات المستقبل.. كيف تستعد مصر لحماية مواردها المائية من تغير المناخ؟

ارشيفية
ارشيفية

منذ فجر الحضارات، لم تكن المياه مجرد مورد طبيعي، بل كانت سر البقاء ومحرك ازدهار الأمم وسقوطها؛ وبينما يواجه العالم اليوم تحديات مناخية غير مسبوقة، باتت إدارة كل قطرة ماء معركة وجود لا تقل أهمية عن معارك التنمية والأمن الغذائي.

وفي قلب وادي النيل، حيث ارتبطت الحياة عبر آلاف السنين بجريان النهر، تتجسد فلسفة جديدة تقوم على التوازن بين احتياجات الإنسان ومتطلبات الطبيعة، لتؤكد أن مستقبل الزراعة لن يُبنى فقط على وفرة الموارد، بل على حسن إدارتها واستدامتها للأجيال القادمة.

ففي ظل التحديات المتزايدة التي تفرضها التغيرات المناخية على قطاع الزراعة والموارد المائية في مصر، تتجه الدولة نحو تنفيذ مشروعات استراتيجية تستهدف تعزيز كفاءة استخدام المياه وضمان استدامة الإنتاج الزراعي.

ويأتي مشروع "الإدارة المرنة مناخيًا للمياه والقدرة على التكيف مع المناخ على المستوى الحقلي في وادي النيل" المعروف اختصارًا باسم "CROWN" في مقدمة هذه المشروعات، باعتباره أحد أكبر البرامج التنموية التي تستهدف دعم المزارعين وتحسين إدارة الموارد المائية في صعيد مصر خلال السنوات المقبلة.

مواجهة تحديات المستقبل

بدأت القصة مع عقد الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، اجتماعًا موسعًا لمتابعة مستجدات تنفيذ مشروع "CROWN"، الذي يجري تنفيذه بالتعاون مع الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (IFAD)، وبالتنسيق مع وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، ضمن المشروعات المدرجة على المنصة الوطنية لبرنامج "نُوَفِّي" (NWFE)، والذي يمثل إحدى المبادرات الوطنية الرامية إلى جذب التمويل والاستثمارات للمشروعات المرتبطة بالمياه والغذاء والطاقة.

ويعكس المشروع توجه الدولة نحو تبني حلول مبتكرة للتعامل مع تحديات ندرة المياه والتغيرات المناخية، خاصة مع تزايد الضغوط على الموارد المائية وارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الأمطار وتأثيرها المباشر على القطاع الزراعي.

30 ألف فدان

وفقًا لما تم استعراضه خلال الاجتماع، تستهدف المرحلة الأولى من المشروع، التي تمتد على مدار سبع سنوات، العمل في محافظتي المنيا وبني سويف بإجمالي مساحة تبلغ 30 ألف فدان، منها 25 ألف فدان من الأراضي الزراعية القديمة، بالإضافة إلى 5 آلاف فدان من الأراضي الرملية.

ويُنتظر أن تمثل هذه المرحلة نموذجًا عمليًا لتطبيق نظم الإدارة الحديثة للمياه على المستوى الحقلي، بما يسهم في رفع كفاءة الري وتقليل الفاقد وتحسين إنتاجية الأراضي الزراعية.

كما تتضمن الخطط المستقبلية للمشروع تنفيذ مرحلة ثانية أكثر اتساعًا، تستهدف محافظات وسط وجنوب الصعيد، لتغطية مساحة تصل إلى 400 ألف فدان، ما يجعل المشروع واحدًا من أكبر برامج تطوير الري والزراعة المستدامة في مصر خلال السنوات المقبلة.

دعم صغار المزارعين

يركز مشروع "CROWN" بشكل أساسي على تمكين صغار المزارعين، الذين يمثلون الشريحة الأكبر من العاملين بالقطاع الزراعي المصري، من خلال توفير بنية تحتية حديثة للري وتحسين إدارة المياه على مستوى الحقول الزراعية.

ويهدف المشروع إلى تحقيق عدة نتائج مباشرة، أبرزها رفع كفاءة استخدام المياه وتقليل الفاقد الناتج عن نظم الري التقليدية، وكا زيادة إنتاجية المحاصيل الزراعية وتحسين جودة المنتجات.

بالإضافة إلى تعزيز قدرة المزارعين على مواجهة آثار التغيرات المناخية، وكذا تحسين مستويات الدخل في المجتمعات الريفية، ودعم الأمن الغذائي من خلال زيادة الإنتاج الزراعي.

وتكتسب هذه الأهداف أهمية خاصة في ظل التحديات التي يواجهها القطاع الزراعي عالميًا نتيجة التغيرات المناخية وارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع الموارد الطبيعية.

أكثر من 21 ألف فرصة عمل

من أبرز الجوانب التنموية للمشروع مساهمته في خلق فرص عمل جديدة بالمناطق الريفية، حيث تشير التقديرات إلى توفير أكثر من 21 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة خلال مراحل التنفيذ المختلفة.

وتتنوع هذه الفرص بين أعمال الإنشاءات والتشغيل والصيانة والخدمات الزراعية وسلاسل القيمة المرتبطة بالإنتاج الزراعي، بما يسهم في تحسين الأوضاع الاقتصادية للأسر الريفية والحد من معدلات البطالة في المناطق المستهدفة.

ويرى خبراء التنمية الزراعية أن توفير فرص العمل يمثل أحد أهم المكاسب الاجتماعية للمشروع، إلى جانب دوره في تحسين كفاءة استخدام الموارد المائية.

الطاقة الشمسية

ومن بين أبرز الملامح التي تميز مشروع "CROWN" اعتماده على الطاقة الشمسية كمصدر رئيسي لتشغيل محطات رفع المياه.

ويأتي هذا التوجه في إطار استراتيجية الدولة المصرية للتوسع في استخدام مصادر الطاقة النظيفة والمتجددة، وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي، بما يساهم في خفض انبعاثات الكربون وتقليل التأثيرات البيئية السلبية.

كما أن استخدام الطاقة الشمسية يساهم في خفض تكاليف التشغيل على المزارعين، ويوفر مصدرًا مستدامًا للطاقة في المناطق الزراعية المختلفة، خاصة في المحافظات الواقعة بصعيد مصر التي تتمتع بمعدلات سطوع شمسي مرتفعة على مدار العام.

استثمارات تتجاوز 1.6 مليار دولار

فيما تكشف الأرقام الخاصة بالمشروع عن حجم الاستثمارات الضخمة المخصصة له، حيث تبلغ التكلفة التقديرية الإجمالية لكافة مراحل المشروع نحو 1.66 مليار دولار.

أما المرحلة الأولى، فتبلغ تكلفتها نحو 162.6 مليون دولار، موزعة على ثلاثة محاور رئيسية:

أولًا: البنية التحتية والري؛ حيث يستحوذ هذا المكون على النصيب الأكبر من التمويل بقيمة 115.7 مليون دولار، تمثل نحو 71.2% من إجمالي مخصصات المرحلة الأولى، ويشمل تطوير شبكات الري ومحطات الرفع والبنية الأساسية اللازمة لتحسين إدارة المياه.

ثانيًا: سلاسل القيمة والزراعة، وتبلغ مخصصاته 36.6 مليون دولار، بما يعادل 22.5% من إجمالي التمويل، ويهدف إلى دعم الأنشطة الزراعية وتحسين القيمة المضافة للمنتجات الزراعية وربط المزارعين بالأسواق.

ثالثًا: دعم السياسات والإدارة، وتبلغ مخصصاته 10.3 مليون دولار بنسبة 6.3%، ويستهدف تعزيز الجوانب المؤسسية والإدارية وضمان كفاءة تنفيذ المشروع وتحقيق أهدافه التنموية.

مواجهة التغيرات المناخية

يأتي مشروع "CROWN" في توقيت بالغ الأهمية، حيث تواجه مصر تحديات متزايدة مرتبطة بالتغيرات المناخية، تشمل ارتفاع درجات الحرارة وزيادة معدلات التبخر وتغير الاحتياجات المائية للمحاصيل الزراعية.

وفي هذا السياق، أكد الدكتور هاني سويلم أن وزارة الموارد المائية والري تولي اهتمامًا كبيرًا بمشروعات التكيف مع التغيرات المناخية وتحسين كفاءة إدارة واستخدام المياه، باعتبارها أحد المحاور الرئيسية لتحقيق التنمية المستدامة.

وأشار الوزير إلى أهمية التوسع في تطبيق نظم الري الحديثة والحلول المبتكرة التي تساهم في رفع كفاءة استخدام الموارد المائية، وتحقيق الأمن الغذائي، وتعزيز قدرة القطاع الزراعي على مواجهة التحديات المستقبلية.

رؤية متكاملة للاستدامة

ويرى مراقبون أن مشروع "CROWN" لا يقتصر على كونه مشروعًا لتحسين الري فقط، بل يمثل نموذجًا متكاملًا يجمع بين إدارة المياه والتنمية الزراعية والطاقة النظيفة والتكيف المناخي، بما يتماشى مع رؤية مصر للتنمية المستدامة 2030.

وفي النهاية ومع بدء تنفيذ المرحلة الأولى في المنيا وبني سويف، تتجه الأنظار إلى النتائج التي يمكن أن يحققها المشروع على أرض الواقع، خاصة في ظل التوقعات بأن يسهم في تحسين حياة آلاف المزارعين، ورفع كفاءة استخدام المياه، وتعزيز قدرة القطاع الزراعي المصري على مواجهة تحديات المستقبل، ليصبح نموذجًا قابلًا للتوسع في مختلف المحافظات الزراعية على مستوى الجمهورية.

تم نسخ الرابط