رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

"سودو" الصيني طبق الحجارة المقلية الذي تحول من حيلة للبقاء إلى تقليعة سياحية مثيرة

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

​إذا أخبركِ أحدهم بأنه تناول وجبة مكونة من "الحجارة المقلية"، فربما تظنين للوهلة الأولى أنها دعابة ثقيلة، لكن في المطبخ الآسيوي، وتحديداً في الصين، تحولت هذه الفكرة الغريبة إلى واحد من أكثر الأطباق الشعبية إثارة للفضول والدهشة في العالم، والذي يُعرف محلياً باسم طبق "سودو" (Suodiu).


​واللايف في هذا الطبق ليس في مكوناته الصخرية، بل في فلسفة تناوله؛ إذ تعني التسمية باللغة العربية حرفياً "مُص.. ثم ارمِ"، وهو ما يلخص تجربة التذوق الفريدة لهذه الوجبة.


​هندسة المذاق.. كيف تُطبخ الصخور؟


​لا يستهدف الطبق قضم الحجارة أو بلعها بالتأكيد، بل تعتمد فكرته على تحويل الحصى الصغير المستخرج من قيعان الأنهار إلى "حامل ذكي" للنكهات الغنية. ويتم تحضير "سودو" عبر خطوات طهي متسارعة:


​تُغسل الحجارة الملساء بعناية، ثم تُلقى في مقلاة ملتهبة مع الزيت الغزير.


​يُضاف إليها مزيج حاد من الثوم المفروم، الفلفل الحار، الزنجبيل الطازج، والأعشاب والتوابل الصينية التقليدية.


​تُقلب الحجارة حتى تتشرب الصلصة الكثيفة تماماً، ثم تُقدم ساخنة كمقبلات شعبية في الشوارع.


​وعند تناول الوجبة، يضع المغامرون الحصاة في فمهم لامتصاص واستحلاب النكهة المركزة والتوابل العالقة على سطحها الخارجي، وقبل أن يفكروا في مضغها، يتم إخراجها (بصقها) وتركها جانباً، ليكون الجوهر الحقيقي للطبق هو المتعة الحسية للصلصة وليس المكون الصخري نفسه.


​جذور الجوع.. حيلة الصيادين للهروب من الموت


​تُشير الأدبيات التاريخية إلى أن هذا السلوك الغذائي الغريب لم يولد من رحم الرفاهية، بل نبت من قسوة الطبيعة وحروب البقاء. وتؤكد أبرز النظريات التاريخية أن طبق "سودو" نشأ في مقاطعة "هوبي" الصينية، وتحديداً بين مجتمعات الصيادين والملاحين وسكان القوارب النهرية.


​ففي فترات الجفاف الصعبة أو شح الإمدادات الغذائية وانقطاع السبل بالصيادين وسط الأنهار، لم يكن أمامهم سوى اللجوء إلى حصى النهر كأساس بيولوجي ونفسي لوجبة وهمية؛ حيث كانوا يجمعون الحجارة ويقومون بتسخينها مع ما توفر لديهم من توابل حارة وأعشاب برية، مستغلين قدرة الصخور على الاحتفاظ بالحرارة، لامتصاص النكهة وخدعة المعدة الفارغة دون استهلاك طعام حقيقي.


​من أداة للمجاعة إلى تريند سياحي عالمي


​مع تطور الزمن ووفرة الغذاء، لم يندثر "سودو" بل خضع لعملية "إعادة تدوير ثقافي" مذهلة. فلم يعد الطبق وسيلة إجبارية للبقاء على قيد الحياة، بل تحول إلى إرث محلي فريد، وتقليعة سياحية تجذب آلاف المغامرين وصنّاع المحتوى "البلوجرز" حول العالم، الذين يتزاحمون في الأسواق الشعبية الصينية لتوثيق تجربة "قلي ومص الحجارة"، في مشهد يجمع بين بساطة المكونات وصدمة الفكرة.

تم نسخ الرابط