كواليس وأسرار لا تعرفها عن سلطان الفن الشعبي..
نجل محمد رشدي: "التوبة" ولدت من الغيرة ووالدي بكى بسبب العندليب
كان صاحبًا لنبرة دافئة تجبرك على الإنصات، وصوتًا حُفِر في وجدان الوجوه المجهدة وعشاق النغم الأصيل، بين "عدوية" و"كعب الغزال"، استطاع محمد رشدي أن يؤسس مملكة خاصة للفن الشعبي الراقي، وفي ذكرى ميلاده، يفتح نجله طارق محمد رشدي خزائن أسرار والده، ليروي تفاصيل حكاية بدأت من قطار كفر الشيخ، ولم تنتهِ إلا بورقة وصية كُتِبَت بحبر الوفاء.

وصية على فراش الرحيل
عن لحظات والده الأخيرة، يكشف طارق أن رشدي ترك وصية واحدة تختصر فلسفته في الحياة، فقد كان متأثرًا وموجوعًا برحيل الفنان محرم فؤاد دون أن يحظى بفرصة تكريم تليق بتاريخه الحافل.
حينها ألتفت لنجله وقال بنبرة ملؤها الشجن:
"لم أترك لكم في هذه الدنيا سوى اسمي، فلا تسمحوا للنسيان أن يطويه، واحرصوا على أن يذكرني الناس كل عام بالدعاء بالرحمة"، ولهذا السبب، يرى نجل الفنان الراحل أن الاستجابة للصحافة والإعلام في ذكرى والده ليست مجرد مشاركة، بل هي تنفيذ لأمانة يحملها على عاتقه.

زهد الفلاح في الأيام الأخيرة
لم يكن محمد رشدي يميل للبهرجة في الاحتفال بعيد ميلاده، إذ كان يبقيه في حدوده البسيطة كابن للريف المصري، يكتفي بإجراء بضع مداخلات إذاعية وحوارات صحفية.
أما أيامه الأخيرة، فقد شهدت تحولاً إنسانيًا وعميقًا نحو الروحانيات والاطلاع، حيث قضى معظم وقته غارقًا في كتب التصوف، والمقارنة بين ما ورد في الإنجيل والتوراة للتأمل في السيرة النبوية الشريفة.

قدسية البيت.. وحقيقة العلاقة بالوسط الفني
على عكس ما يظنه البعض، كان منزل محمد رشدي خطًا أحمر بعيدًا عن صخب الفن، فطابع الفلاح الحازم جعل للبيت حرمة خاصة، فلم يكن يستقبل فيه من الوسط الفني إلا مقربين جدًا، وهما الخال عبد الرحمن الأبنودي والموسيقار بليغ حمدي، أما بقية اللقاءات والتحضيرات الفنية فكانت تُدار دائمًا في مكاتب الملحنين والاستوديوهات.

أغنية "مأذون البلد".. الأقدار صنعت نصيب العمر
تزوج الفنان الراحل مرة واحدة في حياته، وكانت لقصة زواجه دراما خاصة جدًا، ففي بداياته الشابة، كانت أغنيته "قولوا لمأذون البلد" تحقق نجاحًا كبيرًا، وصادَف أن يُدعى للغناء في زفاف أخت زوجته المستقبلية.

وعندما اعتلى المسرح ليغني، التقت عيناه بعين شقيقة العروس، وشعر بالانجداب نحوها فورًا، ورغم كبريائها وتماسكها في اللقاء الأول، إلا أن شعلة الحب أُضيئت في تلك الليلة، وانتهت بالزواج الرسمي الذي أثمر أربعة أبناء: "رشدي المقيم بأمريكا، وطارق المحاسب، وسناء ربة المنزل، وأدهم المحامي".

حادث المجهود الحربي.. "ساعة و8 جنيهات واختبار الوفاء"
وعن أصعب لحظات حياة والده يروي طارق، كان والدي في طريقه للسويس لإحياء حفل لصالح المجهود الحربي، حين وقع حادث سير مروع جراء اصطدام أتوبيس الفنانين بسيارة نقل أسطوانات بوتوجاز، الحادث أسفر عن رحيل الراقصة نادية فهمي، بينما تعرض أبي لإصابات بالغة في القدم وقطع عميق في الحاجب شوه ملامحه.

في لحظة انكسار، ظن والدي أن رحلته الفنية انتهت، فنزع ساعته من يده، وجمع ما بداخل جيبه من مال وكان ثمانية جنيهات فقط وقال لزوجته:
"هذا كل ما أملك.. أنتِ طالق، من حقكِ أن تعيشي حياتكِ بعيدًا عن رجل تشوّه وانتهى مستقبله".
لكن أصالة الزوجة تجلت في رفضها القاطع للطلاق وتمسكها به، قبل أن يتدخل الدكتور "الحفناوي" ببراعة متبرعًا بإجراء جراحة تجميلية أعادت لرشدي ملامحه وأمل العودة للمسرح.

دموع السلطان.. بين رحيل العندليب ومرض العظام الخفي
ولم يكن هذا هو الموقف الصعب الوحيد في حياة "رشدي" حيث أزرفت عينيه الدمع على العندليب، فرغم الشائعات عن الخلافات، كانت دموع محمد رشدي حقيقية وصادقة، عند رحيل حليم، حيث كان مستلقيًا على فراشه حين عرض التلفزيون أغنية "في يوم في شهر في سنة" ليعلن خبر وفاة العندليب، فانهمر رشدي في البكاء وهو يصيح: "الكبير بتاعنا راح".

أما لحظة الانكسار الحقيقية فكانت في وفاة صديق عمره بليغ حمدي، ففي المطار خارت قواه ولم يستطع التماسك لحظة استقبال جثمان صديقه بليغ حمدي القادم من باريس، حتى استند على الفنانة لطيفة.

وكانت الدمعة الأخيرة أثناء تسجيل أغنية "العيون الكدابين"، حيث تأخر رشدي داخل الاستوديو، ودخل عليه نجله طارق الذي نحاوره اليوم، ليجد والده يبكي بحرقة، فيقول: "خشيت الأسرة أن يكون البكاء بسبب آلام سرطان العظام الذي أُخفيَ عنه حتى وفاته، لكن المفاجأة أنه كان يبكي شكرًا لله أن أمهله العمر ليردد هذا اللحن الشجي قبل رحيله".
ويتابع نجل الفنان محمد رشدى، ولكن رغم هذا شاء القدر أن ينزل ألبوم قطر الحياة للأسواق يوم عزاء والدي، ولم يتمكن من الفرحة به ولكنه كان مقدرًا لما يقدم من فن قريب لقلوب الناس فهو مطرب العمال والفلاحين.

صراع القمة مع عبد الحليم حافظ.. غيرة النغم لا القلوب
وتحدث طارق عن كواليس المنافسة الشرسة بين والده والعندليب الأسمر، مشيرًا إلى أن الرحلة بدأت سويًا حين ركب رشدي القطار من كفر الشيخ وحليم من طنطا متوجهين نحو القاهرة.
ويتابع طارق، في البداية، كان رشدي يضع نصب عينيه منافسة المطرب محمد قنديل لتقارب لونيهما، لكن عبد الحليم فرض المنافسة حين قدم ملحمة "أدهم الشرقاوي" سينمائيًا بعد أن أبدع فيها رشدي إذاعيًا.

هذا التنافس دفَع العندليب للانتقال للون الشعبي، وزاد حماسه ليقول للأبنودي: "أريد أغنية شعبية لكن لا تضع فيها مزامير كصاحبك.. أنا لست بتاع مسامير"، فولد من رحم هذه المنافسة عمل استثنائي وهو أغنية "التوبة".
ورغم هذا الصراع الفني المحموم، كانت العلاقة الشخصية بينهما قائمة على الاحترام، وسافرا سويًا في رحلات متعددة للمغرب.
ليلى مراد الحب الأول.. وحكاية "أنصاف التذاكر"
عشق رشدي في صباه الفنانة ليلى مراد بشغف كبير، وكان يحرص في سينما كفر الشيخ على مشاهدة أفلامها في كافة الحفلات، ولأن الميزانية المادية للطفل البالغ 14 عامًا لم تكن تسمح، ابتكر خطة وحيلة، إذ يتسلل ليلاً ليجمع أنصاف التذاكر التي يمزقها موظف السينما ويرميها أرضًا، فيقوم بلصقها بدقة ليدخل بها في اليوم التالي، ونجحت الحيلة لأيام قبل أن يُكشف أمره ويتلقى أول عقاب بدني " علقة" في حياته بسب حب الفن.

الحنين لكفر الشيخ و"عشق الفسيخ" المحرم
رغم الشهرة العريضة، ظل رشدي مرتبطًا ببلدته كفر الشيخ ودسوق، وكانت شقيقته الصغرى "عفاف" تدرك مدى عشقه لرائحة الديار، فكانت تعد له "السمك البوري والفسيخ" بنفسها وتحضره له خصيصًا إلى القاهرة قبل شم النسيم بثلاثة أشهر، وحتى بعد إصابته بالفشل الكلوي وحظر الفسيخ طبيًا كان يتسلل ليأكل منه خفية كأنه يسترجع نفحات الصبا.

البسمة الأخيرة في حضن الأحفاد
خلف هيبة الفنان وحزمه، كان رشدي أبًا وجدًا حنونًا، وكانت أسعد أوقاته هي تلك التي يقضيها مع أحفاده، وخصوصًا مع حفيدته الصغرى "فرح"، حين كانت تشاركه تمثيل قصة مدرستها وتناديه باسم الشخصيات، ليتصاعد من أعماقه ضحك دافئ وصادق.

واختتم نجل الفنان الحوار بكلمات منصفة قائلًا:
"محمد رشدي لم يكن ظاهرة فردية، بل كان جزءًا من أسطورة ثلاثية شكلت وجدان الفن العربي، ضمت رشدي والشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي والموسيقار بليغ حمدي".



