عميد كلية القانون بالجامعة البريطانية في مصر.. في حوار مع الجمهور
د. إبراهيم سلامة يفكك أبعاد الجريمة السيبرانية: سلاح نفسي يستهدف الصغار وخطر عابر للحدود
في عالمٍ باتت تُدار تفاصيله عبر فضاءٍ رقمي غير مرئي، لم تعد الحدود الجغرافية التقليدية كافية لحماية الأفراد أو تحصين الاقتصادات، فبينما تقفز التكنولوجيا بقفزات سريعة وخاطفة، يتحرك القانون بخطواته التقليدية الرصينة، مما يخلق فجوة زمنية وتشريعية يستغلها محترفو الجريمة المنظمة.
أبعاد الجريمة السيبرانية
حول هذا الصراع المحموم بين سرعة التطور التكنولوجي وبطء الملاحقة التشريعية، وكيف تحولت الشاشات إلى ساحات استهداف نفسي لأطفالنا، التقينا بالأستاذ الدكتور إبراهيم سلامة، عميد كلية القانون بالجامعة البريطانية في مصر، والمتخصص في فلسفة القانون، ليضعنا أمام تشريح دقيق لأعقد ملفات العصر: الأمن السيبراني ومستقبل العدالة الرقمية.
سباق المسافات الشاسعة: عندما يعجز النص عن ملاحقة التطبيق
بدأ الدكتور إبراهيم سلامة حديثه بوضع اليد على الإشكالية الجوهرية التي تواجه النظم القضائية والأمنية المعاصرة، وهي أن التكنولوجيا دائمًا ما تسبق التشريع بخطوات شاسعة.
هذا التفاوت الزمني يفرض تحديًا مصيريًا على جهات التحقيق وإنفاذ القانون، إذ لم تعد الأدلة المادية التقليدية كافية لإثبات الجرم.
ويوضح "سلامة" قائلاً: "الأدلة الرقمية بطبيعتها شديدة الحساسية وسهلة التلاشي أو التلاعب بها. من هنا، تصبح المعركة الحقيقية هي تأهيل الكوادر القانونية والأمنية ومحللي البيانات لامتلاك القدرة على قنص وحفظ (الدليل الإلكتروني) وتوثيقه بطرق علمية دقيقة ومقبولة أمام المحاكم، دون المساس بالحقوق والحريات الأساسية للمواطنين..إنها معادلة بالغة الحساسية بين حماية المجتمع وصيانة الحريات الفردية".
الاستهداف النفسي.. الجانب المظلم لـ"الجاذبية الرقمية"
وينتقل بنا الخبير القانوني إلى ملفٍ غاية في الخطورة يمس الأسرة بشكل مباشر، وهو استهداف الأطفال والشباب عبر الفضاء الافتراضي.
و يحذر "سلامة" من أن صغار السن هم الفئة الأكثر تعرضًا لخطر الجريمة الإلكترونية، ليس فقط بسبب قلة الخبرة، بل لأن الإجرام الرقمي أصبح يعتمد على "الذكاء النفسي" والتحليل السلوكي.
ويشرح عميد كلية القانون بالجامع البريطاني في مصر هذا البعد قائلاً: "المجرم السيبراني اليوم لم يعد مجرد قرصان يبحث عن ثغرة تقنية، بل أصبح يدرس سيكولوجية الضحية. يتم استخدام عناصر الجذب الرقمي لاستدراج الأطفال والشباب والتأثير على نفسيتهم وابتزازهم. هذه الفئات هي الأكثر تأثرًا بالـ (Attraction) الرقمي، مما يضع على عاتق الأسر والمؤسسات مسؤولية حتمية لفهم هذه الآليات لحماية أبنائهم من الاختراق المعنوي والمادي".
عصر تكافؤ الضعف: كيف غيّرت السيبرانية معادلة القوة الدولية؟
وعند الانتقال إلى البعد الدولي وإمكانية صياغة تفاهمات عالمية لمكافحة هذه الظاهرة، يرى الدكتور إبراهيم سلامة، أن الفضاء السيبراني أحدث انقلابًا جذريًا في موازين القوى التقليدية، وخلَق ما يمكن تسميته بـ "عصر تكافؤ الضعف".
ويوضح فلسفته قائلاً: "في العلاقات الدولية التقليدية، كانت الدول الكبرى تمتلك زمام المبادرة والقدرة على حماية نفسها بمفردها، بينما تحتاج الدول الأقل نموًا إلى التعاون، اليوم، عادلت التكنولوجيا الكفة بين الجميع في الضعف، فمخترق إلكتروني واحد يجلس في قرية نائية بأكثر الدول فقرًا، بات بمقدوره شل حركة بنك دولي عملاق، أو تعطيل منظومة ملاحية جوية، أو إحداث أزمة دولية من وراء شاشته. من هنا، تساوت مصالح الدول الكبرى والصغرى في ضرورة بناء منظومة تعاون دولي حقيقية وملزمة، لأنه لا توجد دولة مهما بلغت قوتها محصنة بمفردها".
الوعي قبل التشريع
وفي ختام حديثه، يؤكد الأكاديمي الدكتور إبراهيم سلامة أن اختزال المواجهة في سن القوانين الجافة وصياغة نصوص تجريمية جديدة هو علاج قاصر ومؤقت. فالتشريع وحده لن يحمي مجتمعًا يفتقر إلى الثقافة الرقمية.
ويستطرد قائلاً: "نحن بحاجة إلى استراتيجية شاملة ترتكز على صياغة (سياسات عامة) تتجاوز مجرد العقاب إلى الوقاية والتأهيل. المواجهة تبدأ من التوعية المجتمعية الحقيقية؛ أن يدرك الجميع بدءًا من رجال القضاء والأمن وصولاً إلى الأب والأم داخل المنزل قواعد الأمن السيبراني الأساسية.. يجب أن يعرف أطفالنا بوضوح: ما هي الروابط التي لا ينبغي فتحها؟ كيف يحمون خصوصيتهم؟ ومع من يتواصلون في حال تعرضهم للتهديد؟ إن حماية الفضاء الرقمي تبدأ أولاً بنشر الوعي، ثم تأتي القوانين كأداة لحماية هذا الوعي وتنظيمه".
