قبل 2028.. محطة الضبعة تقترب من كتابة فصل جديد في تاريخ الدولة المصرية
تخطو مصر خطوات متسارعة نحو تحقيق أحد أكبر مشروعاتها الاستراتيجية في قطاع الطاقة، مع وصول مشروع محطة الضبعة النووية إلى مراحل متقدمة من التنفيذ، في خطوة تمهد لإنتاج الكهرباء من الطاقة النووية للمرة الأولى في تاريخ البلاد.
وبعد سنوات طويلة من التخطيط والدراسات والإعداد، أصبح المشروع العملاق واقعًا يتجسد على أرض محافظة مطروح، مع استمرار أعمال الإنشاء وتركيب المكونات النووية الرئيسية داخل الوحدات الأربع، بما يعكس حجم التقدم الذي يشهده المشروع وفق الجداول الزمنية المقررة.
ويأتي هذا التطور في توقيت يشهد اهتمامًا عالميًا متزايدًا بتنويع مصادر إنتاج الطاقة، في ظل سعي الدول إلى تعزيز أمن الطاقة وخفض الانبعاثات الكربونية وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
وفي هذا الإطار، تمثل محطة الضبعة النووية أحد أبرز المشروعات القومية التي تعول عليها الدولة المصرية لدعم خطط التنمية الاقتصادية والصناعية، وتوفير مصدر مستدام وآمن للكهرباء خلال العقود المقبلة.
رحلة امتدت لعقود حتى أصبحت الحلم حقيقة
تعود فكرة إنشاء أول محطة نووية لإنتاج الكهرباء في مصر إلى خمسينيات القرن الماضي، إلا أن المشروع تعرض على مدار عقود لسلسلة من التأجيلات والتوقفات نتيجة المتغيرات السياسية والاقتصادية التي مرت بها البلاد والمنطقة.
ومع توقيع اتفاق التعاون بين مصر وروسيا، دخل المشروع مرحلة التنفيذ الفعلي، حيث تتولى شركة "روساتوم" الروسية تنفيذ المحطة باستخدام أحدث التقنيات العالمية ومعايير الأمان النووي، إلى جانب توفير الوقود النووي، وتقديم الدعم الفني، وتنفيذ برامج متخصصة لتأهيل وتدريب الكوادر المصرية العاملة في هذا القطاع الحيوي.
وخلال السنوات الأخيرة، تحولت منطقة الضبعة بمحافظة مطروح إلى واحدة من أكبر مواقع الإنشاءات الهندسية في منطقة الشرق الأوسط، مع تواصل الأعمال بوتيرة متسارعة داخل الوحدات الأربع، بما يعكس حجم الإنجاز الذي تحقق في المشروع.
أربع وحدات نووية بإجمالي قدرة 4800 ميجاوات
تضم محطة الضبعة أربع وحدات مستقلة لإنتاج الكهرباء، تحتوي كل وحدة على مفاعل نووي متطور من طراز VVER-1200 الروسي، بقدرة إنتاجية تبلغ 1200 ميجاوات لكل مفاعل.
ومع الانتهاء من تشغيل الوحدات الأربع، ستصل القدرة الإنتاجية الإجمالية للمحطة إلى 4800 ميجاوات، لتصبح واحدة من أكبر مشروعات إنتاج الكهرباء في مصر والقارة الإفريقية.
وتبرز أهمية هذه القدرة الإنتاجية عند مقارنتها بإنتاج السد العالي الذي تبلغ قدرته نحو 2100 ميجاوات، حيث ستتجاوز محطة الضبعة أكثر من ضعف تلك القدرة تقريبًا، وهو ما يمنح الشبكة القومية للكهرباء دعمًا كبيرًا في مواجهة الزيادة المستمرة في معدلات الاستهلاك، ويعزز استقرار منظومة الكهرباء على مستوى الجمهورية.
مراحل فنية دقيقة قبل التشغيل الرسمي
شهد المشروع خلال الفترة الماضية تقدمًا ملحوظًا في أعمال تركيب المعدات النووية الرئيسية داخل الوحدة الأولى، بالتزامن مع استمرار تنفيذ الأعمال الإنشائية في باقي الوحدات.
ومن المقرر أن ينتقل المشروع خلال المرحلة المقبلة إلى تنفيذ سلسلة من الاختبارات الفنية الدقيقة، والتي تبدأ بالاختبارات الباردة، ثم الاختبارات الساخنة، بهدف التأكد من كفاءة جميع الأنظمة والمعدات وسلامتها قبل الحصول على الموافقات الرقابية النهائية.
وعقب الانتهاء من هذه الاختبارات، سيتم تحميل الوقود النووي داخل المفاعل الأول، تمهيدًا لبدء التشغيل التجريبي وإنتاج الكهرباء لأول مرة في تاريخ مصر باستخدام الطاقة النووية.
وتشير التقديرات والتصريحات الصادرة عن الجانب الروسي إلى إمكانية تدشين أولى وحدات المحطة خلال عامي 2027 أو 2028، بما يعني أن العد التنازلي لدخول مصر عصر الكهرباء النووية أصبح أقرب من أي وقت مضى.
مصدر مستقر للكهرباء ودعم قوي لأمن الطاقة
تمتاز الطاقة النووية بقدرتها على إنتاج الكهرباء بصورة مستقرة ومتواصلة على مدار 24 ساعة يوميًا، دون التأثر بالعوامل المناخية، وهو ما يمنحها أفضلية كبيرة مقارنة ببعض مصادر الطاقة المتجددة التي ترتبط بسطوع الشمس أو سرعة الرياح.
ومن المتوقع أن تسهم محطة الضبعة في تقليل الاعتماد على الوقود التقليدي، وعلى رأسه الغاز الطبيعي، بما يسمح بتوجيه كميات أكبر من الغاز إلى القطاعات الصناعية أو التصدير، الأمر الذي يدعم الاقتصاد الوطني ويوفر موارد إضافية من النقد الأجنبي.
كما تمثل المحطة ركيزة أساسية في خطة الدولة لتنويع مزيج الطاقة، من خلال الدمج بين الطاقة النووية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح ومشروعات تخزين الكهرباء الحديثة، بما يحقق استدامة منظومة الطاقة في المستقبل.
فوائد اقتصادية وصناعية تتجاوز إنتاج الكهرباء
لا تتوقف أهمية مشروع الضبعة عند إنتاج الكهرباء فقط، بل تمتد لتشمل دعم الصناعة الوطنية، ونقل التكنولوجيا النووية المتقدمة، وتأهيل الكوادر المصرية للعمل وفق أحدث المعايير العالمية.
وشهد المشروع مشاركة واسعة ومتزايدة للشركات المصرية في أعمال الإنشاءات والتوريدات والخدمات الهندسية، الأمر الذي ساهم في توفير آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، إلى جانب رفع كفاءة العمالة الوطنية في مجالات الهندسة والطاقة والتكنولوجيا النووية.



