اللواء د. رضا فرحات أستاذ العلوم السياسية يكتب.. 30 يونيو.. الثورة التي أنقذت الهوية الوطنية
تمر السنوات سريعا، لكن تظل ثورة 30 يونيو حاضرة في الأذهان كأنها حدثت بالأمس ذلك الشعور المختلط بين القلق على الوطن والأمل في إنقاذه، حين أدرك المصريون أن بلادهم تقف عند مفترق طرق تاريخي قد يحدد شكل الدولة لأجيال قادمة، و كانت المعركة حول طبيعة الدولة المصرية نفسها؛ هل تظل دولة وطنية تتسع لجميع أبنائها وتحكمها المؤسسات والقانون، أم تنجرف نحو مسار يغير ملامحها التي عرفها المصريون عبر تاريخهم الطويل؟
على مدار تاريخها الطويل، تميزت مصر بخصوصية فريدة جعلتها دولة وطنية راسخة الجذور، تقوم على التعددية والتسامح والانفتاح والتعايش بين مختلف فئات المجتمع، وكانت الهوية المصرية دائما أكبر من أي تيار سياسي أو فكري، وأوسع من أن تختزل في رؤية أحادية أو مشروع أيديولوجي ضيق، لذلك شعر قطاع واسع من المصريين خلال العام الذي سبق ثورة 30 يونيو بأن هذه الهوية تتعرض لاختبار صعب، وأن هناك محاولات لإعادة تشكيل الدولة وفق تصورات لا تنسجم مع طبيعتها التاريخية ولا مع تنوع مجتمعها.
لم يكن القلق نابعا من خلاف سياسي بل من شعور متزايد بأن مفهوم الدولة الوطنية ذاته أصبح محل جدل، وأن مؤسسات الدولة التي تمثل العمود الفقري للاستقرار تواجه تحديات غير مسبوقة ومع اتساع حالة الاستقطاب والانقسام داخل المجتمع، بدأ المصريون يشعرون بأن الوطن الذي عرفوه لعقود طويلة مهدد بفقدان توازنه، وأن الحفاظ على الدولة أصبح أولوية تتقدم على أي اعتبارات أخرى، وعندما جاءت لحظة 30 يونيو، خرج المصريون من مختلف المحافظات والفئات الاجتماعية، يحملون علما واحدا ويهتفون باسم وطن واحد، كان المشهد استثنائيا بكل المقاييس؛ فالملايين لم يجمعهم انتماء حزبي أو توجه سياسي موحد، وإنما جمعتهم فكرة واحدة هي إنقاذ الدولة المصرية والحفاظ على هويتها الوطنية، ولذلك اكتسبت الثورة خصوصيتها، إذ لم تكن ثورة لفئة ضد أخرى، بل كانت تعبيرا واسعا عن إرادة شعب أراد تصحيح مسار بلاده قبل فوات الأوان.
لقد أعادت 30 يونيو التأكيد على مفهوم الدولة المدنية الحديثة، وهي الدولة التي تستند إلى الدستور والقانون والمؤسسات، وتحترم المواطنة والمساواة بين جميع أبنائها دون تمييز، الدولة المدنية لا تعني معاداة الدين كما يروج البعض، وإنما تعني أن تكون إدارة الشأن العام قائمة على مؤسسات وطنية تمثل الجميع، وأن تكون الحقوق والواجبات متساوية بين المواطنين بصرف النظر عن انتماءاتهم أو توجهاتهم.
إن أهم النتائج التي ترتبت على الثورة أنها أعادت الاعتبار لفكرة الدولة الوطنية القوية القادرة على حماية حدودها ومؤسساتها والحفاظ على وحدتها الداخلية كما فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة البناء والتنمية، حيث أدركت الدولة أن مواجهة التحديات لا تتوقف عند استعادة الاستقرار السياسي فقط، بل تمتد إلى تحسين حياة المواطنين وتطوير البنية التحتية وإطلاق مشروعات تنموية كبرى تعيد الثقة في المستقبل.
وبعد ثلاثة عشر عاما من تلك اللحظة الفارقة، ما زالت ثورة 30 يونيو حاضرة في الوعي الوطني باعتبارها نقطة تحول كبرى في تاريخ مصر المعاصر ، الأجيال الجديدة التي لم تعش تفاصيل تلك الأحداث تلمس اليوم نتائجها في صورة دولة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وأكثر حرصا على ترسيخ الاستقرار والحفاظ على مؤسساتها الوطنية، وربما يبقى الدرس الأهم الذي قدمته 30 يونيو هو أن الشعوب التي تدرك قيمة دولتها لا تسمح بتهديد هويتها أو العبث بمؤسساتها فالدول تبنى عبر عقود طويلة من العمل والتضحيات، لكن هدمها قد يحدث في سنوات قليلة إذا غاب الوعي الوطني ومن هنا جاءت أهمية تلك الثورة التي مثلت في نظر كثير من المصريين لحظة دفاع عن الذات الوطنية قبل أن تكون مجرد حدث سياسي.
لقد كانت 30 يونيو، بالنسبة للمصريين، صرخة وطن أراد أن يبقى كما عرفه أبناؤه عبر التاريخ: دولة وطنية مستقلة، متنوعة، و متسامحة، تحتضن الجميع تحت راية واحدة. ولهذا لم تسجل الثورة في الذاكرة المصرية باعتبارها مجرد تغيير سياسي، بل باعتبارها لحظة أنقذت هوية وطن وحافظت على جوهر دولة ظلت عبر التاريخ قلب المنطقة النابض ورمزا للاستقرار والاستمرارية.


