الجفاف يهدد اقتصاد إيطاليا.. والزراعة على حافة الانهيار
تواجه إيطاليا أزمة بيئية واقتصادية متصاعدة مع تفاقم موجة الجفاف التي تضرب شمال البلاد، حيث يمر نهر “بو” — أطول أنهارها وأحد أهم مصادرها المائية والزراعية — بأحد أخطر مستويات الانخفاض في تاريخه الحديث، وسط تحذيرات من تداعيات تمتد إلى القطاع الغذائي والاقتصاد الوطني.
وخلال فترة قصيرة، تراجع تدفق النهر من نحو 1500 متر مكعب في الثانية إلى أقل من 300 متر مكعب فقط، فيما انخفض منسوب المياه في بعض المناطق إلى ما يقارب متر واحد، ما سمح بتسلل مياه البحر إلى الداخل لمسافة وصلت إلى 20 كيلومترًا، مهددة الأراضي الزراعية بالتملح والتلف.
أزمة مياه تهدد الزراعة
ويحذر خبراء من أن الحواجز المائية التي كانت تمنع تسرب المياه المالحة أصبحت أقل فاعلية نتيجة ضعف تدفق النهر، في وقت تشير فيه التقديرات إلى أن مخزون المياه المتبقي قد لا يكفي لأكثر من ثلاثة أسابيع إذا استمرت الظروف الحالية دون تغيير.
ويُعد وادي “بو” القلب الزراعي لإيطاليا، حيث يعتمد عليه إنتاج محاصيل أساسية وصناعات غذائية شهيرة، من بينها الحليب المستخدم في صناعة جبن “البارميزان”، ما يجعل أي تدهور في موارده المائية تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي.
أسباب متعددة للأزمة
وتعود الأزمة الحالية إلى مجموعة من العوامل المناخية المتداخلة، أبرزها موجة الحر الشديدة التي تضرب أوروبا، حيث ترتفع درجات الحرارة في شمال إيطاليا بنحو 4 درجات مئوية فوق المعدلات الطبيعية، وفي بعض المدن مثل ميلانو بنحو 3.8 درجة.
كما ساهم الذوبان المبكر للثلوج في جبال الألب في تفاقم الأزمة، بعدما تدفقت كميات المياه المخزنة خلال الشتاء بسرعة كبيرة، دون أن يتم تعويضها خلال فصل الصيف، إلى جانب غياب شبه تام للأمطار لفترة تجاوزت 110 أيام، وانخفاض كبير في منسوب الخزانات الجوفية.
ويضاف إلى ذلك الضغط المتزايد من قبل القطاع الزراعي، الذي لجأ إلى سحب كميات كبيرة من المياه لري المحاصيل في ظل ارتفاع درجات الحرارة، ما زاد من استنزاف الموارد المحدودة أصلًا.
تداعيات اقتصادية وغذائية خطيرة
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على نقص المياه فحسب، بل تمتد إلى تهديد مباشر للقطاع الزراعي والإنتاج الغذائي، حيث بدأت الحقول في الجفاف، وتدهورت جودة التربة، واضطر بعض المزارعين إلى إغلاق قنوات الري لتجنب تسرب المياه المالحة إلى الأراضي الزراعية.
كما تضررت مزارع الأحياء المائية، خاصة مزارع المحار، نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وانتشار الطحالب، ما أدى إلى خسائر إضافية في قطاع الغذاء البحري.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن استمرار الأزمة قد يكبد إيطاليا خسائر بمليارات الدولارات، في ظل اعتماد جزء كبير من اقتصادها الزراعي على منطقة وادي “بو”.
صيف مبكر وأزمة ممتدة
وما يزيد من خطورة الوضع أن موجة الجفاف بدأت مبكرًا هذا العام، قبل وصول فصل الصيف إلى ذروته، ما يثير مخاوف من تفاقم الأزمة خلال الأشهر المقبلة إذا استمرت الظروف المناخية القاسية دون حلول مستدامة لإدارة الموارد المائية.
ويؤكد خبراء المناخ أن الأزمة الحالية تعكس تحولًا طويل الأمد في أنماط الطقس في أوروبا، ما يستدعي خططًا أكثر مرونة للتكيف مع التغيرات المناخية المتسارعة.