اكتشاف أعمق وأكبر "مقبرة حيتان" في العالم بأعماق المحيط الهندي
في كشف بحري تاريخي يزيح الستار عن أسرار السحيق، نجحت بعثة استكشافية دولية في العثور على أعمق وأوسع مقبرة للحيتان تم توثيقها في تاريخ البشرية، وذلك في خندق "ديامانتينا" الفريد بالمحيط الهندي، لتعيد هذه المنشأة الطبيعية المذهلة تعريف حدود الحياة والتطور في أكثر مناطق الأرض ظلمة وقسوة.
وجاء الاكتشاف الثمين خلال 32 غطسة استقصائية قامت بها الغواصة الصينية المتقدمة "فندوزي"، حيث تمكن العلماء من رسم خريطة لممر هائل يمتد بطول 1200 كيلومتر، وعلى أعماق سحيقة تتراوح بين 4616 و7001 متر، ليتجاوز بذلك النطاق العمق المعروف لهذه البيئات بأكثر من 2500 متر.
واحات نابضة بالحياة ومتحف أحفوري سحيق
رصد الفريق البحثي في هذا الممر نوعين من الوجود البيولوجي:
أنظمة بيئية نشطة: تمثلت في 5 جثث حيتان حديثة نسبياً في مرحلتها "الكبريتية"، تحولت إلى واحات تغذّي مجتمعات حيوية فريدة تضم حصائر بكتيرية وديداناً آكلة للعظام، بالإضافة إلى 35 نوعاً من الكائنات الكبيرة التي يُعتقد أن معظمها جديد تماماً على العلم، مثل نجوم البحر الهشة والقواقع المفترسة.
أرشيف أحفوري مرعب: ضم 476 هيكلاً عظمياً ومتحجراً. وبفضل استخدام تحليل نظائر السترونتيوم للجمام والقطع المستخرجة، تبين أن تاريخ أقدم هذه العظام يعود إلى 5.3 مليون سنة (العصر البليوسيني المبكر)، مما يثبت أن تدفق الجثث إلى هذا الممر مستمر دون انقطاع منذ ملايين السنين.
هندسة الخندق الجغرافية وسر البقاء
طرح العلماء سؤالاً جوهرياً حول سبب تركز هذه المقبرة في هذا المكان تحديداً؛ وجاءت الإجابة في تضاريس منطقة "ديامانتينا" التي تتخذ شكل حرف (V) وتعمل كـ "قمع طبيعي" يحجز الحيتان التي تنفق طبيعياً، أو تلك التي تستسلم لمرض "تخفيف الضغط" والإجهاد بعد غوصها لعمق يتجاوز 1000 متر لاصطياد الحبار، كحيتان المنقار الزجاجي.
وقد بلغت الكثافة في هذا الموقع 759.5 من بقايا الحيتان لكل كيلومتر مربع، مما يجعله "ممرًا فائقاً" يربط الكائنات التي تعتمد على الكبريتيدات بالفتحات الحرارية المائية عبر المحيط الجنوبي.
أما عن السر وراء الحالة المثالية التي حُفظت بها العظام طوال هذه الملايين من السنين، فيعود إلى الصلابة الفائقة لعظام الحيتان المنقارية (واحدة من أصلب المواد البيولوجية)، مصحوبة بمعدل ترسيب بطيء للغاية في قاع المحيط، مما سمح للهياكل بالبقاء مكشوفة لفترات طويلة لتغلفها بمرور الوقت أكاسيد الحديد والمنغنيز الواقية، لتتحول المقبرة إلى أرشيف طبيعي محصن يتحدى الزمن.
