رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

مدينة تقف بين البحر والفكرة.. «جرين شرم» وتفاصيل التنمية والحياة

أرشيفية
أرشيفية

في لحظة تبدو فيها المدن حول العالم وكأنها تتنافس على تعريف جديد لمعنى “المستقبل”، تبرز شرم الشيخ كحالة خاصة لا يمكن قراءتها باعتبارها مدينة سياحية فحسب، بل باعتبارها مشروعًا فكريًا وتنمويًا يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والمكان والبيئة.

جرين شرم

فمشروع “جرين شرم” لم يعد مجرد مبادرة بيئية أو خطة حكومية لتحسين الأداء البيئي، بل أصبح تعبيرًا عن فلسفة تنموية متكاملة تسعى الدولة المصرية من خلالها إلى إعادة تعريف مفهوم المدينة، ليس بوصفها مساحة عمرانية، بل بوصفها كائنًا حيًا يتنفس ويتفاعل ويتطور.

وفي ذلك الصدد كانت ترأست الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، الاجتماع الثاني للجنة تسيير أعمال المشروع، في حضور عدد من القيادات الوطنية والشركاء الدوليين، وفي مقدمتهم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في مشهد يعكس طبيعة هذا المشروع الذي لا يُدار بمنطق محلي صرف، بل في إطار رؤية عالمية تتقاطع فيها الخبرات الدولية مع الإرادة الوطنية.

ومنذ اللحظة الأولى للاجتماع، بدا واضحًا أن “جرين شرم” لم يعد مشروعًا تقنيًا فحسب، بل مساحة حوار بين التنمية والبيئة، وبين الاقتصاد والوعي، وبين الحاضر وما يمكن أن يكون عليه المستقبل.

إن جوهر الفكرة التي يقوم عليها المشروع يتجاوز بكثير حدود التحول إلى “مدينة خضراء”، ليصل إلى محاولة إعادة تشكيل الوعي التنموي ذاته.

الطاقة المتجددة

فالدولة المصرية، من خلال هذا المشروع، لا تسعى فقط إلى تحسين مؤشرات بيئية أو خفض الانبعاثات أو زيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة، بل تسعى إلى تأسيس نموذج جديد للتنمية يقوم على مبدأ التوازن الدقيق بين النمو الاقتصادي والحفاظ على الطبيعة، بين الاستثمار والموارد، وبين الإنسان والنظام البيئي الذي يحتضنه.

ويمتد مشروع “جرين شرم” على مساحة 42 كيلومترًا مربعًا من المنطقة البرية، إضافة إلى المناطق الساحلية والبحرية للمحميات الطبيعية مثل رأس محمد ونبق وأبو جالوم، ليشكل بذلك فضاءً تنمويًا واسعًا تتداخل فيه البيئات المختلفة في منظومة واحدة.

هذا الامتداد المكاني ليس مجرد تفصيل هندسي، بل هو تعبير عن رؤية فلسفية تعتبر أن البيئة ليست حدودًا منفصلة، بل شبكة متكاملة من العلاقات التي يجب إدارتها بوعي شامل.

استثمارات بـ6.3 مليون دولار

وتكشف البيانات المعلنة عن حجم الجهد المبذول في هذا المشروع، حيث تم تنفيذ 43 مشروعًا للقطاع الخاص باستثمارات بلغت 6.3 مليون دولار، إلى جانب 7 مشروعات للقطاع العام باستثمارات تجاوزت 13.55 مليون دولار، بما يعكس إدراكًا واضحًا لأهمية الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص في بناء الاقتصاد الأخضر.

لكن الأهم من الأرقام هو المعنى الكامن خلفها: أن الاستثمار لم يعد مجرد ضخ رؤوس أموال، بل أصبح جزءًا من معادلة أخلاقية وتنموية تهدف إلى حماية المستقبل بقدر ما تهدف إلى تحقيق العائد.

وفي بعده البيئي، يحقق المشروع نتائج ملموسة تعكس انتقاله من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التأثير الفعلي، حيث نجح في خفض أكثر من 85 ألف طن من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، مع استهداف الوصول إلى أكثر من 105 آلاف طن مكافئ من ثاني أكسيد الكربون.

هذه الأرقام، رغم أهميتها التقنية، تحمل في جوهرها دلالة أعمق: أن التنمية يمكن أن تكون صديقة للبيئة دون أن تفقد قدرتها على النمو، وأن التقدم ليس نقيضًا للطبيعة بل امتدادًا لها إذا ما أُدير بعقل واعٍ.

وفي قلب هذه التجربة، تتجلى شرم الشيخ كمدينة تتحول تدريجيًا إلى مختبر حي للتنمية المستدامة.

الطاقة الشمسية

فمن الطاقة الشمسية التي تجاوزت قدرتها 4 ميجاوات، إلى تركيب مئات أعمدة الإنارة المعتمدة على الطاقة النظيفة، وصولًا إلى رفع نسبة الطاقة المتجددة إلى نحو 18% من إجمالي الاستهلاك، يتضح أن المدينة لا تتحول فقط على مستوى البنية التحتية، بل على مستوى فلسفة التشغيل ذاتها.

غير أن التحول الأعمق ربما يكمن في إعادة صياغة علاقة المدينة بسكانها وزائريها.

فالمشروع لا يتعامل مع الإنسان كمتلقي للخدمة، بل كشريك في إنتاجها وحمايتها؛ وهذا ما يظهر في تبني منظومات إدارة ذكية للطاقة، وتطبيقات رقمية لرصد البيئة البحرية، وأنظمة تصاريح إلكترونية داخل المحميات، بما يخلق نموذجًا جديدًا من “الحوكمة البيئية” التي تعتمد على المعرفة والبيانات والمشاركة المجتمعية.

ومن زاوية أخرى، يعكس المشروع إدراكًا متقدمًا لأهمية التنوع البيولوجي باعتباره أحد أصول التنمية وليس مجرد عنصر بيئي.

رأس المال الطبيعي

فحماية الشعاب المرجانية، وإدارة المحميات الطبيعية، وتطوير مؤشرات الحساسية البيئية، ليست إجراءات منفصلة، بل أجزاء من رؤية تعتبر أن رأس المال الطبيعي هو أحد أعمدة الاقتصاد الحديث، وليس هامشًا عليه.

وفي هذا السياق، يصبح التحول الرقمي عنصرًا جوهريًا في فلسفة “جرين شرم”، حيث لا يقتصر دوره على التسهيل الإداري، بل يمتد إلى بناء نظام معرفي متكامل يرصد ويحلل ويتنبأ، بما يجعل من المدينة كيانًا ذكيًا قادرًا على إدارة نفسه بشكل أكثر كفاءة واستدامة.

إن ما يميز “جرين شرم” ليس فقط حجم الاستثمارات أو تنوع المشروعات، بل الفكرة التي تحكمه: أن التنمية ليست عملية تقنية بحتة، بل هي إعادة تعريف للعلاقة بين الإنسان والعالم الذي يعيش فيه.

فحين تتحدث الدولة عن التحول إلى مدينة خضراء، فهي في الحقيقة تتحدث عن تحول أعمق في طريقة التفكير، وعن انتقال من منطق الاستهلاك إلى منطق التوازن، ومن منطق النمو غير المحدود إلى منطق الاستدامة الواعية.

وفي النهاية، يمكن القول إن “جرين شرم” ليس مشروعًا يُقاس بما يُنجز فيه من مشروعات أو أرقام، بل يُقاس بما يتركه من أثر في طريقة فهمنا للتنمية ذاتها.

فهو محاولة لصياغة مدينة لا تعيش ضد بيئتها، بل معها، ولا تنمو على حسابها، بل من خلالها؛ مدينة لا تُختزل في شوارعها وفنادقها، بل تمتد إلى محيطها الطبيعي وثقافتها البيئية ووعي سكانها وزوارها.

فكرة تنموية مفتوحة على المستقبل

هكذا تتحول شرم الشيخ، عبر “جرين شرم”، من مجرد وجهة سياحية عالمية إلى فكرة تنموية مفتوحة على المستقبل، ومن مدينة على الخريطة إلى نموذج يُحتذى به في عالم يبحث عن توازن مفقود بين الإنسان والطبيعة.

تم نسخ الرابط