رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

اللواء الدكتور رضا فرحات أستاذ العلوم السياسية يكتب: الشرق الأوسط ومشروع الاستنزاف المفتوح

فرحات
فرحات

لم يعد ما يجري في الشرق الأوسط مجرد توتر سياسي قابل للاحتواء، ولا مواجهة عسكرية يمكن وضعها داخل حدود الاشتباك التقليدي بين دولتين أو أكثر، لأن الصورة، إذا نظرنا إليها من أعلى، تبدو أكثر اتساعا وأكثر ترابطا، وكأن المنطقة كلها أُدخلت إلى مرحلة جديدة عنوانها الاستنزاف الشامل؛ استنزاف للجيوش، واستنزاف للاقتصادات، واستنزاف للأعصاب السياسية، حتى يصبح الإنهاك ذاته وسيلة لإعادة تشكيل الواقع وفرض خرائط جديدة على الجميع.

المشهد لا يبدأ من ضربة عسكرية هنا أو تهديد سياسي هناك، بل من رؤية كاملة تتعامل مع الشرق الأوسط باعتباره ساحة مفتوحة لإعادة توزيع النفوذ، ولو كان الثمن هو إشعال أكثر من جبهة في وقت واحد، ودفع الجميع إلى معارك متوازية تستنزف قدراتهم وتستهلك مواردهم وتُبقيهم منشغلين بالبقاء لا بالتقدم.

من يتابع ما حدث خلال الشهور الأخيرة يدرك أن الضربات التي وجهت إلى إيران لم تكن مجرد رسالة ردع عسكرية، بل جزءا من محاولة أوسع لجر المنطقة إلى مربع المواجهة المفتوحة، ثم توسيع دائرة الاشتباك بحيث لا تبقى الحرب محصورة بين أطرافها المباشرة، بل تتحول إلى اختبار شامل لقدرة الإقليم كله على الاحتمال، وعندما جاء الرد الإيراني واستهدف القواعد الأمريكية في الخليج، بدا المشهد كاشفا لتناقضات كثيرة في إدارة الأزمة، وكأن المطلوب إبقاء النار مشتعلة، ولكن دون السماح لها بأن تخرج تماما عن السيطرة الأمريكية.

بعد ذلك اتجهت الضغوط نحو العواصم الخليجية، لا فقط للمساندة السياسية، بل للدخول المباشر في معادلة الصراع، عسكريا وتمويليا، وكأن المطلوب توسيع ساحة الحرب إلى أكبر مدى ممكن، غير أن كثيرا من دول الخليج قرأت المشهد بوعي، وأدركت أن الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة لن يصنع أمنا لأحد، بل سيخلق نزيفا طويلا في الأمن والاستقرار والاقتصاد معا.

ولأن الحروب الحديثة لا تدار بالسلاح وحده، جاءت الضغوط المالية موازية للضغوط العسكرية؛ مطالبات متكررة بدفع كلفة الحرب، وتمويل ترتيبات الأمن، والمساهمة في فاتورة المواجهة، وكأن المنطقة مطالبة بأن تتحمل الخطر وتدفع ثمنه في الوقت نفسه وهنا لا يعود الحديث عن حماية بقدر ما يصبح أقرب إلى إدارة مكلفة للأزمات تحمل فاتورتها للدول العربية.

وفي الخلفية السياسية للمشهد، يتقدم طرح التطبيع الإقليمي مرة أخرى باعتباره عنوانا للتسوية أو مدخلا للتهدئة، بينما يجري توظيف لحظة الحرب ذاتها للضغط من أجل إعادة ترتيب التحالفات السياسية في المنطقة، وربط الاستقرار بمسارات سياسية بعينها، وكأن المطلوب أن تدار الأزمات العسكرية بوصفها وسيلة لإنتاج خرائط سياسية جديدة تخدم توازنات محددة.

لكن الأخطر أن هذا الضغط لا يقف عند حدود الخليج أو إيران، فكل من ينظر إلى خريطة الإقليم يلاحظ أن بؤر التوتر تتكاثر في توقيت واحد، في البحر الأحمر، وفي القرن الأفريقي، وفي السودان، وفي ملف المياه، وفي الممرات البحرية، وفي مناطق التماس القريبة من الأمن القومي العربي، وكأن هناك تعمدا واضحا لفتح أكثر من جبهة حول المنطقة وفي قلبها معًا.

في السودان، تطول الحرب ويزداد خطر التقسيم، وتتداخل الحسابات المحلية مع تدخلات خارجية تجعل من الأزمة ساحة مفتوحة لتصفية المصالح والنفوذ، وفي القرن الأفريقي تتصاعد التحركات والتحالفات والتموضع العسكري والسياسي بما يهدد استقرار واحد من أكثر الممرات حساسية للعالم وفي ملف سد النهضة، تواصل إثيوبيا توظيف الأزمة باعتبارها ورقة نفوذ سياسي وإقليمي، رغم تعقيداتها الداخلية وأزماتها المتعددة.

وعندما تتجاور هذه الملفات كلها في توقيت واحد، يصبح من الصعب اعتبارها أحداثا منفصلة، نحن أمام مشهد إقليمي تستخدم فيه الفوضى كأداة، ويدار فيه التوتر باعتباره سياسة، وتفتح فيه الأزمات بالتوازي حتى تظل المنطقة في حالة إنهاك دائم، غير قادرة على التقاط أنفاسها أو التفرغ لأولويات التنمية والاستقرار.

وفي القلب من هذا المشهد تبقى مصر، بحكم موقعها وتاريخها وثقلها، نقطة ارتكاز رئيسية في معادلة الإقليم، ولذلك تتقاطع حولها كثير من الضغوط والاختبارات، من حدود مشتعلة، إلى تهديدات بحرية، إلى تحديات مائية، إلى محاولات مستمرة لإرباك المجال الاستراتيجي المحيط بها من أكثر من اتجاه.

لكن خبرة الدولة المصرية عبر التاريخ كانت دائما قائمة على قراءة الصورة كاملة، لا التعامل مع كل أزمة بمعزل عن الأخرى، وفهم ما وراء المشهد لا الاكتفاء بما يظهر على سطحه ولهذا فإن الوعي بطبيعة المرحلة لم يعد ترفا سياسيا أو قراءة تحليلية للنخبة، بل أصبح ضرورة تتعلق بمستقبل المنطقة كلها.

إن ما نراه اليوم ليس مجرد صراع نفوذ عابر، بل محاولة لإعادة صياغة الشرق الأوسط عبر الاستنزاف، وإبقاء خرائطه معلقة بين الحرب والتهديد والضغط والفوضى والسؤال الحقيقي لم يعد: أين تقع الأزمة؟ بل إلى أي مدى يراد لهذه المنطقة أن تظل داخل الأزمة… ومن المستفيد من بقاء النار مشتعلة إلى هذا الحد.

تم نسخ الرابط