استشاري تغذية يحذر من فوضى “التريندات العلاجية”: الاعتماد على وصفات السوشيال ميديا جريمة تهدد حياة المرضى
حذر الدكتور عماد الدين فهمي، استشاري التغذية العلاجية، من خطورة الترويج لأنظمة غذائية غير مدعومة علميًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بالخلاف حول بعض الأنظمة مثل “الكيتو” أو “الصيام المتقطع”، بل تطورت إلى مرحلة أخطر تتمثل في إقناع المرضى بترك الأدوية الأساسية، وعلى رأسها الأنسولين وأدوية الضغط، وهو ما وصفه بأنه “عبث بالأرواح وضحك على العقول”.
هناك شكاوى تم تقديمها للنقابة وحالات وفاة بالفعل نتيجة اتباع نصائح مضللة
وقال “فهمي”، خلال لقائه مع الإعلامية سماح السيد في بودكاست “بيت الهنا”، إن هناك شكاوى تم تقديمها للنقابة وحالات وفاة بالفعل نتيجة اتباع نصائح مضللة تدعو المرضى إلى التخلص من أدويتهم والاعتماد فقط على أنظمة غذائية أو وصفات متداولة عبر السوشيال ميديا.
وأكد أن الأنسولين منذ اكتشافه عام 1921 أنقذ ملايين البشر حول العالم، مشددًا على أن مطالبة مريض سكر في حالة حرجة بترك الأنسولين وتناول أطعمة مثل “النوتيلا” بدلًا منه يعد سلوكًا بالغ الخطورة لا يستند إلى أي أساس علمي أو طبي.
وأوضح أن التغذية العلاجية تمثل جزءًا مهمًا من البروتوكول الطبي، لكنها لا يمكن أن تكون بديلًا مطلقًا للعلاج الدوائي، لافتًا إلى أن بعض الحالات في بدايات الإصابة بالسكر أو الضغط قد تتحسن من خلال ضبط النظام الغذائي وتقليل الوزن وتنظيم العادات اليومية، وهو ما قد يسمح للطبيب المختص لاحقًا بتقليل الجرعات أو إيقاف بعض الأدوية تدريجيًا، لكن القرار النهائي يظل للطبيب وليس لمقدمي المحتوى على الإنترنت.
وأشار إلى أن الأطباء قديمًا كانوا يكتبون الممنوعات الغذائية قبل الأدوية داخل الروشتات، ما يعكس أهمية الغذاء كعامل مساعد في العلاج، وليس بديلًا عنه، موضحًا أن التعامل مع الأمراض المزمنة يحتاج إلى توازن بين التغذية السليمة والدواء والمتابعة الطبية المستمرة.
هجوم على “نظام الطيبات” وتحذير من منع الطعام والماء
وفي سياق متصل، شن استشاري التغذية العلاجية هجومًا حادًا على ما يعرف بـ“نظام الطيبات”، معتبرًا أنه نموذج واضح لفوضى المعلومات الطبية المنتشرة على السوشيال ميديا، خاصة مع اعتماده على ما وصفه بـ“العبث الكيميائي” والتفسيرات غير المنطقية للغذاء.
وأوضح أن بعض القائمين على هذه الأنظمة يهاجمون البيض الطبيعي بدعوى التهابات الجسم، بينما يسمحون بتناول المايونيز رغم أنه مصنوع أساسًا من صفار البيض والزيوت، مؤكدًا أن تحويل المكونات إلى مستحلب دهني لا يغير طبيعتها الكيميائية، وأن منع الأصل والسماح بالمشتق يمثل تناقضًا علميًا واضحًا.
وأضاف أن هذه الأنظمة تهاجم الحليب الطبيعي، لكنها في الوقت نفسه تسمح بتناول الأجبان المصنعة والمطبوخة المشبعة بالدهون المتحولة وأملاح الفوسفات، والتي قد تؤثر سلبًا على الكلى والصحة العامة، مؤكدًا أن تحريم الغذاء الطبيعي وإباحة البدائل المصنعة يمثل قلبًا لأساسيات التغذية السليمة.
كما حذر من تقنين شرب المياه أو الحرمان منها أثناء الحميات الغذائية، مؤكدًا أن ذلك قد يؤدي إلى اضطراب نسب الصوديوم والبوتاسيوم في الجسم، وهو ما قد يسبب توقف القلب المفاجئ أو زيادة لزوجة الدم وارتفاع فرص التجلطات.
“الخضروات ليست عدوًا”.. والألياف تحمي من السرطان
ورد “فهمي” على المزاعم التي تدعو إلى مقاطعة الخضروات والبقوليات بحجة أن الإنسان لا يمتلك إنزيمات لهضم الألياف النباتية بشكل كامل، موضحًا أن هذه المعلومات يتم استخدامها بشكل مضلل لإقناع المواطنين بأن الخضروات ضارة بالأمعاء.
وأكد أن الإنسان لا يحتاج إلى هضم الألياف بالكامل لأنها ليست المصدر الأساسي للطاقة، بل تكمن أهميتها في دورها الحيوي داخل الجهاز الهضمي، حيث تساعد على تحسين حركة القولون وتقليل امتصاص السكريات الضارة وطرد الفضلات والسموم، فضلًا عن دورها الوقائي ضد بعض أنواع السرطان.
وأشار إلى أن القول بأن الخضروات “تجرح الأمعاء” لا يستند إلى أي أساس علمي، لأن الطعام يمر بعمليات هضم وطحن داخل الفم والمعدة قبل وصوله للأمعاء، لافتًا إلى أن الراحة المؤقتة التي يشعر بها بعض مرضى القولون عند التوقف عن تناول الخضروات لا تعني صحة هذه الأنظمة، وإنما ترجع إلى تقليل الطعام بشكل عام، وهو ما قد يترتب عليه لاحقًا نقص شديد في العناصر الغذائية.
تحذير من أنظمة التجويع القاسية
وحذر استشاري التغذية العلاجية من أنظمة التجويع المبالغ فيها، مؤكدًا أنها قد تؤدي إلى أضرار خطيرة على البنكرياس والجسم بشكل عام، موضحًا أن الحرمان الطويل من الطعام والمياه يرفع هرمونات التوتر والخوف مثل الكورتيزول والأدرينالين، وهو ما قد يؤدي إلى اضطراب السكر في الدم والإصابة بحالات شبيهة بالسكر من النوع الأول.
كما نفى ما يتم تداوله حول “حقن الدواجن بالهرمونات”، موضحًا أن زيادة أحجام الدواجن ترجع في الأساس إلى تحسين السلالات والانتخاب الوراثي، مؤكدًا أن استخدام الهرمونات فعليًا سيكون مكلفًا للغاية ويرفع أسعار الدواجن بصورة غير منطقية.
وشدد “فهمي” في ختام تصريحاته على أن مواجهة المعلومات المضللة تتطلب رفع الوعي العلمي لدى المواطنين، داعيًا إلى عدم الانسياق وراء اللجان الإلكترونية أو صناع المحتوى الذين يقدمون “أنصاف معلومات” تفتقد للأساس العلمي، مؤكدًا أن صحة الإنسان لا يجب أن تكون مجالًا للتجارب أو البحث عن التريند والمشاهدات.
وقال إن المرجعية الحقيقية لأي نظام غذائي أو علاج طبي يجب أن تكون الأبحاث العلمية الموثقة ورأي الأطباء المتخصصين، وليس مقاطع الفيديو المتداولة أو القصص الفردية غير الموثقة، مضيفًا: “الموت لا يمنح حصانة للأفكار الخاطئة، والعلم وحده هو الطريق لحماية الناس من التضليل”.


