كابوس السبعينيات يعود.. أوروبا على حافة أزمة طاقة خانقة بسبب إغلاق مضيق هرمز
تواجه أوروبا واحدة من أخطر أزماتها الاقتصادية منذ عقود، مع تصاعد تداعيات الحرب في إيران وتهديدها بإغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد شريانًا حيويًا يمر عبره نحو 20% من النفط والغاز العالمي.
ومع تعطل هذا الممر الاستراتيجي، بدأت القارة الأوروبية تدرك أنها تقف على أعتاب صدمة إمدادات قد تعيد إلى الأذهان أزمات النفط في سبعينيات القرن الماضي، مع ما يصاحبها من تضخم حاد وركود اقتصادي عميق.
تحذيرات أوروبية: سيناريوهات قاتمة تلوح في الأفق
حذر المستشار الألماني فريدريش ميرتس من أن استمرار الحرب سيشكل عبئًا اقتصاديًا هائلًا، قد يعادل تأثيرات جائحة كوفيد-19 أو بداية الحرب الروسية الأوكرانية.
كما عبّر وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو عن قلقه العميق، مؤكدًا أن تداعيات الحرب باتت تؤثر على حياته اليومية، في ظل متابعة مستمرة لتطورات الأزمة.

من جانبها، حذرت كريستين لاغارد من أن النزاع قد يمتد لسنوات، مع آثار طويلة الأمد قد تتجاوز التوقعات الحالية.
شريان الطاقة العالمي تحت التهديد
يمثل مضيق هرمز نقطة اختناق حيوية في سوق الطاقة العالمية، حيث تعتمد عليه سلاسل الإمداد في نقل النفط والغاز، إضافة إلى مواد أساسية مثل الأسمدة والهيليوم المستخدم في صناعة الرقائق الإلكترونية.
ولا يقتصر تأثير الإغلاق على قطاع الطاقة فقط، بل يمتد ليشمل الصناعات الغذائية والكيماوية والنقل، ما يهدد باضطراب شامل في سلاسل التوريد العالمية.
من صدمة الأسعار إلى خطر نقص الإمدادات
في بداية الأزمة، راهن الاتحاد الأوروبي على تنوع مصادر الطاقة لديه، معتمداً على واردات من الولايات المتحدة والنرويج وأذربيجان والجزائر.
لكن مع دخول الحرب أسبوعها الخامس، بدأت هذه الحسابات تتلاشى، خاصة مع تحول شحنات الطاقة نحو الأسواق الآسيوية التي تدفع أسعارًا أعلى، ما أدى إلى تقليص الإمدادات المتجهة إلى أوروبا.
وتشير تقارير إلى تحويل ناقلات غاز طبيعي مسال من أوروبا إلى الشرق الأقصى، في سباق عالمي محموم على الموارد المحدودة.
أسابيع تفصل أوروبا عن "الألم المزمن"
يحذر محللون من أن القارة قد تبدأ في الشعور بتداعيات الأزمة خلال أسابيع قليلة، في ظل غياب مخزونات احتياطية كافية.
ومع استمرار إغلاق مضيق هرمز، يتوقع خبراء ارتفاعًا هيكليًا في أسعار الطاقة، قد يستمر لفترة طويلة، حتى في حال زيادة الإنتاج العالمي لاحقًا.
لا بدائل حقيقية للمنتجات النفطية
تعتمد أوروبا بشكل كبير على الخليج في المنتجات النفطية المكررة، مثل الديزل ووقود الطائرات، بنسبة تتجاوز 40% من احتياجاتها.
وفي حال استمرار الأزمة، يؤكد محللون أن الخيارات البديلة ستكون محدودة للغاية، ما يعني ارتفاعًا حادًا في الأسعار، وانعكاسات مباشرة على النقل والصناعة.
ارتفاع الأسعار يضرب المستهلكين مباشرة
بدأت آثار الأزمة تظهر بالفعل، مع ارتفاع أسعار الوقود في أوروبا بنحو 15% خلال شهر واحد فقط.
كما انعكست الضغوط الاقتصادية على أسعار المنتجات التكنولوجية، حيث أشارت سوني إلى أن ارتفاع تكلفة أجهزة الألعاب يعود إلى "الضغوط الاقتصادية العالمية".
سيناريو "تدمير الطلب" يعود إلى الواجهة
في مواجهة الأزمة، قد تضطر الحكومات الأوروبية إلى اتخاذ إجراءات غير شعبية، مثل تقنين استخدام الوقود أو فرض قيود على النقل.
وتعيد هذه الإجراءات إلى الأذهان سياسات التقشف الطاقي خلال أزمة النفط 1973، بما في ذلك أيام بدون سيارات وتقنين البنزين.
قطاع الطيران أول الضحايا
يُعد قطاع الطيران من أكثر القطاعات تضررًا، حيث تضاعفت أسعار وقود الطائرات لتصل إلى مستويات قياسية.
وقال ويلي والش إن القطاع يواجه "ضربة مزدوجة" نتيجة ارتفاع أسعار النفط وتراجع قدرات التكرير.
وبدأت شركات الطيران بالفعل في رفع أسعار التذاكر، فيما تدرس بعض الشركات تقليص عدد الرحلات أو إيقاف طائرات مؤقتًا.
الصناعة الأوروبية تحت ضغط غير مسبوق
امتدت الأزمة إلى القطاع الصناعي، خاصة الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الكيماويات والصلب.
وحذرت شركات أوروبية كبرى من أن ارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الخام سيؤدي إلى زيادة الأسعار، ما يضعف القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية عالميًا.
شبح الركود التضخمي يهدد الاقتصاد
تتزايد المخاوف من دخول أوروبا في مرحلة "الركود التضخمي"، وهو مزيج خطير من ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو الاقتصادي.
وحذر فالديس دومبروفسكيس من أن هذه الأزمة قد تعيد سيناريو السبعينيات، الذي شكل تحديًا كبيرًا لصناع القرار الاقتصادي.
تباطؤ النمو وارتفاع تكاليف الاقتراض
تشير التوقعات إلى احتمال تراجع النمو الاقتصادي في الاتحاد الأوروبي إلى نحو 1% فقط، مع ارتفاع معدلات التضخم.
وقد يدفع ذلك البنك المركزي الأوروبي إلى رفع أسعار الفائدة، ما يزيد من تكاليف الاقتراض على الأفراد والشركات، ويعمق الأزمة الاقتصادية.
تداعيات تمتد إلى الحكومات والخدمات العامة
لن تقتصر الأزمة على الأفراد والشركات، بل ستمتد إلى الحكومات التي تعاني بالفعل من أعباء ديون مرتفعة.
ومع ارتفاع تكاليف خدمة الدين، قد تضطر الحكومات إلى تقليص الإنفاق العام، ما يؤثر على الخدمات الأساسية ويزيد من الضغوط الاجتماعية.
العد التنازلي يبدأ.. وأوروبا أمام اختبار تاريخي
مع وصول آخر شحنات الطاقة من الخليج، يبدأ العد التنازلي الحقيقي أمام أوروبا، التي تملك أسابيع فقط للاستعداد لأزمة قد تعيد تشكيل اقتصادها لعقود.
وتؤكد التقديرات أن تداعيات الحرب لن تختفي سريعًا، حتى في حال توقفها، بسبب الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة في المنطقة.
أزمة قد تعيد رسم ملامح الاقتصاد العالمي
في ظل هذه المعطيات، تبدو أوروبا أمام لحظة مفصلية، حيث قد يؤدي استمرار الأزمة إلى إعادة تشكيل خريطة الطاقة العالمية، وتسريع التحول نحو مصادر بديلة، ولكن بتكلفة اقتصادية باهظة على المدى القصير.



