معادن نادرة ورقائق.. خبيرة شؤون آسيوية تكشف لـ«الجمهور» ملفات شائكة بين الصين وأمريكا (حوار)
في عالم يتحرك بسرعة غير مسبوقة نحو صراع على النفوذ والموارد، تقف الصين والولايات المتحدة في قلب مواجهة صامتة تزداد سخونتها يومًا بعد يوم، ومع اتساع حضور الصين اقتصاديًا وعسكريًا من آسيا إلى الشرق الأوسط، وتنامي القلق الأمريكي من صعودها، يبدو أن ميزان القوى العالمي يتجه نحو إعادة تشكيل جديدة قد تغير وجه النظام الدولي، وفي هذا السياق، فتح موقع “الجمهور”، في حواره مع الدكتورة تمارا برو، الخبيرة في الشؤون الآسيوية والصينية، ملف التنافس الجيوسياسي بين العملاقين، فإلى نص الحوار.

هل يقود تسارع النفوذ الصيني وتوسع قدراتها الاقتصادية والعسكرية نحو إعادة تشكيل ميزان القوى العالمي؟
يلاحظ خلال السنوات الأخيرة أن نفوذ الصين شهد توسعًا كبيرًا في مختلف مناطق العالم، ولا سيما في آسيا، فقد عملت بكين على تطوير علاقاتها الدولية بهدف تعزيز اقتصادها، وتسعى لأن تصبح القوة الأولى عالميًا متقدمة على الولايات المتحدة.


وترى الصين أن النمو الاقتصادي لا يتحقق في بيئة دولية مضطربة، بل يعتمد على الاستقرار والأمن وتطوير القدرات العسكرية والتكنولوجية لمواجهة التحديات، خصوصًا تلك القادمة من الغرب وعلى رأسها الولايات المتحدة، لذلك تعمل الصين بشكل مستمر على تحديث قوّتها العسكرية تمهيدًا لتحقيق "الحلم الصيني" بحلول عام 2049، العام الذي يصادف الذكرى المئوية لتأسيس جمهورية الصين الشعبية، والذي تتطلع فيه لأن تُصنف قوة عظمى كاملة.
في المقابل، تشعر الولايات المتحدة بقلق متزايد تجاه تنامي النفوذ الصيني، وتعتبر أن صعود الصين يهدد مكانتها ونفوذها في آسيا، لذلك تحاول واشنطن استقطاب الدول الآسيوية، خاصة المجاورة للصين، وتقدم نفسها كحامية لها، خصوصًا الدول التي لديها خلافات مع بكين كالفلبين واليابان وكوريا الجنوبية، لاسيما في ملف بحر الصين الجنوبي.

ماذا يحدث في بحر الصين الجنوبي؟وما دور الولايات المتحدة وفق الرؤية الصينية؟
الدول المطلة على بحر الصين الجنوبي لا ترغب في نشوب حرب داخل المنطقة، سواء الولايات المتحدة التي تقدم نفسها كضامن لتلك الدول، أو الدول الآسيوية نفسها كالفلبين وفيتنام وغيرها، كما تسعى الصين بدورها لخفض التوترات عبر عقد لقاءات ثنائية أو المشاركة في مجموعات تشاورية مثل مجموعة الآسيان، بهدف إيجاد أرضية مشتركة بشأن الخلافات البحرية.
لكن الولايات المتحدة تستمر، وفق الرؤية الصينية، في تغذية التوترات لإبقاء الصين منشغلة بالنزاعات الإقليمية ومنعها من تحقيق صعودها العالمي، ورغم أن احتمال وقوع صدام قائم، خصوصًا نتيجة أي خطأ بين القوات الصينية والأمريكية أو الفلبينية، إلا أن كلفة الحرب ستكون باهظة على جميع الأطراف، مما يدفع الجميع لتجنب المواجهات المباشرة.

كيف ترين التنافس الأمريكي الصيني في آسيا، وما دور المعادن النادرة؟
طالما التنافس بين الصين والولايات المتحدة مستمر، ستظل آسيا محور الصراع بينهما سياسيًا واقتصاديًا وتكنولوجيًا، خاصة في ملف المعادن النادرة التي تسعى الصين للسيطرة على مصادرها في آسيا الوسطى والجنوبية وجنوب شرق آسيا، باعتبارها أساسًا في تنمية اقتصادها وتحقيق الاكتفاء الذاتي.
وفي المقابل، تحاول الولايات المتحدة الحد من التفرد الصيني بهذا المجال، وتعمل على تعزيز نفوذها في الممرات البحرية الدولية، الأمر الذي تعتبره الصين تهديدًا لأمنها القومي، فلو اندلعت حرب بين الطرفين، قد تعمل واشنطن على إغلاق الممرات البحرية أمام الصين، مما سيعطل تجارة الأخيرة واقتصادها، وبالتالي، فإن آسيا ستظل ساحة الصراع الأساسية ما لم يتم التوصل إلى تفاهمات وتحديد مناطق النفوذ بين القوتين.

كيف تنظر الصين إلى نفسها، وما وجهة نظرها تجاه العقوبات الأمريكية؟
الصين ترى نفسها قوة صاعدة، رغم تأكيدها أنها ما تزال ضمن الدول النامية، حيث تسعى لمنافسة الولايات المتحدة لتصبح القوة الاقتصادية والتكنولوجية الأولى عالميًا، وإنهاء الهيمنة الأمريكية، والدفع نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب أكثر عدالة، بحسب رؤيتها، كما تعارض الصين العقوبات الأمريكية وتعتبرها أدوات ضغط غير مشروعة، وترفض أي تدخل في نظامها السياسي أو تهديد لأمنها القومي.

ماذا عن تايوان والملفات غير القابلة للتفاوض من وجهة نظر الصين؟
في ظل الحرب التجارية القائمة، تعتبر الصين أن بعض الملفات غير قابلة للتفاوض، وعلى رأسها تايوان، فهي تراها جزءًا من أراضيها وستعود يومًا ما إلى الوطن الأم، وغالبًا قبل عام 2049، ومنذ وصول الرئيس شي جين بينج للحكم عام 2013، ازداد التركيز على هذا الملف، وازداد نفوذ الصين وقوتها بشكل واضح، وتربط الصين ملف الرقائق الإلكترونية بملف المعادن النادرة، حيث ترغب برفع القيود الأمريكية على أشباه المواصلات مقابل تخفيف قيودها على تصدير المعادن النادرة.

ماذا عن الصراع على النظام العالمي؟
المواجهة بين الصين والولايات المتحدة متعددة الأبعاد؛ اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية، لكن جوهر الصراع يتمحور حول قيادة النظام العالمي، فالصين تسعى لتكون قطبًا عالميًا، بينما تصر الولايات المتحدة على الحفاظ على مكانتها كقوة مهيمنة.

ما موقف الصين من تطوير علاقاتها بالشرق الأوسط؟
شهدت بكين توسعًا ملحوظًا في نفوذها داخل الشرق الأوسط عبر تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع دول المنطقة، وفي المقابل، تحرص هذه الدول على موازنة علاقاتها مع كل من الولايات المتحدة (أمنيًا) والصين (اقتصاديًا)، رغم صعوبة ذلك نتيجة التنافس المتصاعد بين القوتين، وقد لعبت الصين دورًا مهمًا في الوساطة بين السعودية وإيران، إلى جانب سلطنة عُمان والعراق، حيث كانت الأطراف بحاجة إلى ضامن، فظهرت بكين كطرف موثوق.

وتدرك الصين أهمية استقرار الشرق الأوسط، خاصة أن نسبة كبيرة من وارداتها النفطية تأتي من المنطقة، لكنها في الوقت نفسه تعي أن المنطقة تعتبر ساحة نفوذ أمريكية، كما ظهر في العدوان الإسرائيلي على غزة، حيث حاولت بكين التدخل دبلوماسيًا لكن الولايات المتحدة بقيت الطرف الأكثر تأثيرًا في مسار الأزمة.
الصين لا ترغب في مواجهة مع الولايات المتحدة داخل الشرق الأوسط، لكنها ستسعى لتعزيز وجودها الاقتصادي، وربما الأمني مستقبلاً لو سمحت الظروف أو تعرضت مصالحها للخطر، مثل تهديد تدفق النفط.

كيف ترين العلاقات الصينية المصرية؟
تولي الصين أهمية كبرى لمصر، وتسعى لتطوير العلاقات الثنائية في مختلف المجالات، وهو ما يظهر في حجم الاستثمارات المتزايدة والتبادلات الرسمية بين البلدين، كما ترى بكين أن موقع مصر الجغرافي، خاصة عبر قناة السويس، يجعلها عنصرًا محوريًا في مبادرة "الحزام والطريق" وبوابة نحو إفريقيا.

وتقدر الصين دور القاهرة في وقف حرب غزة، وتعتبرها ركيزة أساسية في جهود تحقيق الاستقرار الإقليمي، كما تعمل مصر على الموازنة بين علاقاتها مع الصين والولايات المتحدة، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي وأهميتها في التجارة العالمية.



