هل أصبح الناتو أقوى؟.. خبيرة تكشف لـ«الجمهور» ما ينتظر التحالف بقمة أنقرة
ترى الدكتورة كاميلا زاريتا، أستاذة قانون الاتحاد الأوروبي والدراسات الأمنية والشؤون الدولية بجامعة وارسو، أن قمة حلف شمال الأطلسي المنعقدة في أنقرة تمثل محطة مفصلية في مسيرة التحالف، في ظل بيئة أمنية تتسم بتشابك الأزمات وتعدد مصادر التهديد، مؤكدة أن الناتو لم يعد يواجه أزمة واحدة، بل منظومة متكاملة من التحديات تمتد من الحرب في أوكرانيا إلى اضطرابات الشرق الأوسط، مرورًا بالهجمات السيبرانية والتهديدات البحرية والمنافسة المتصاعدة مع الصين.
وقالت زاريتا، في تصريحات خاصة لـ«الجمهور»، إن مفهوم الأمن داخل الحلف لم يعد يقتصر على القوة العسكرية التقليدية، بل بات يعتمد على الجاهزية الشاملة، بما في ذلك حماية البنية التحتية الحيوية، وتأمين سلاسل الإمداد، وتعزيز المرونة المجتمعية والتكنولوجية، معتبرة أن "الردع عبر الاستعداد" سيكون العنوان الأبرز للقمة.
وأضافت أن تطوير قدرات الحلف لم يعد يقتصر على التنسيق العسكري بين الجيوش، بل يشمل رفع كفاءة تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتكامل القدرات السيبرانية، وتوحيد آليات القيادة وصنع القرار، مشيرة إلى أن التفوق المعلوماتي أصبح عنصرًا لا يقل أهمية عن امتلاك القوة العسكرية.
وأكدت أن الأمن البحري يحتل مكانة متقدمة في أجندة الحلف، خاصة في البحر الأسود وشرق المتوسط، لما تمثله هذه المناطق من أهمية لأمن الطاقة وحركة التجارة والانتشار العسكري، لافتة إلى أن حماية الموانئ والبنية التحتية البحرية أصبحت جزءًا لا يتجزأ من منظومة الدفاع الجماعي.
وأشادت بالدور التركي داخل الحلف، معتبرة أن الموقع الجغرافي لأنقرة يمنحها أهمية استراتيجية تربط بين أوروبا والشرق الأوسط والبحر الأسود والقوقاز، كما أن استضافتها للقمة تمثل فرصة لتعزيز وحدة الحلف وتخفيف التباينات السياسية بين أعضائه.
وحول مطالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أوضحت زاريتا أن واشنطن ستواصل الضغط من أجل زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي، لكنها شددت على أن الأزمة لم تعد تتعلق بحجم الميزانيات فقط، بل بقدرة الصناعات الدفاعية على تلبية الطلب المتزايد، بعد سنوات من استنزاف المخزونات العسكرية نتيجة دعم أوكرانيا والتوترات في الشرق الأوسط.

ورفضت توصيف حلف الناتو بأنه تحول إلى منصة لإنعاش مصانع السلاح الأمريكية، موضحة أن الولايات المتحدة تظل المنتج الدفاعي الأكبر داخل الحلف، ومن الطبيعي أن تستفيد شركاتها من زيادة المشتريات، لكنها أكدت في الوقت نفسه أن أوروبا تتحرك بخطى متسارعة لبناء قاعدة صناعية دفاعية أكثر استقلالًا، دون أن يعني ذلك الابتعاد عن الشراكة مع واشنطن.
وأضافت أن أحد أهداف القمة يتمثل في تقليل الاعتماد على سلاسل التوريد القادمة من الدول المنافسة، وفي مقدمتها الصين، عبر توطين الصناعات الدفاعية داخل دول الحلف وتعزيز الإنتاج المشترك.
وفيما يتعلق بالمستفيد الأكبر من القمة، شددت زاريتا على أن الرابح الحقيقي، إذا نجحت الاجتماعات في تحقيق أهدافها، سيكون حلف شمال الأطلسي نفسه، مؤكدة أن الخطر الأكبر الذي يواجهه اليوم لا يتمثل في التهديدات الخارجية فقط، وإنما في احتمالات الانقسام الداخلي بين أعضائه.
واختتمت حديثها بالتأكيد على أن الأمن الأوروبي لا يرتبط بشراء الأسلحة الأمريكية، بل يقوم على شراكة استراتيجية متوازنة عبر الأطلسي، موضحة أن الولايات المتحدة ستظل شريكًا رئيسيًا في مجالات الردع والتكنولوجيا والاستخبارات، في حين تقع على عاتق أوروبا مسؤولية تطوير قدراتها الدفاعية، حتى يصبح الحلف أكثر قوة ومرونة في مواجهة أزمات المستقبل.



