رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

موجات الحر تحصد الأرواح في أوروبا.. لماذا ترتفع الوفيات رغم خطط المواجهة؟

ارتفاع درجات الحرارة
ارتفاع درجات الحرارة في أوروبا

تواجه أوروبا موجة حر استثنائية تعد من بين الأشد خلال السنوات الأخيرة، مع تجاوز درجات الحرارة حاجز الأربعين درجة مئوية في عدد من الدول، وسط توقعات بارتفاع حصيلة الوفيات المرتبطة بالطقس الحار، في مشهد يعيد إلى الأذهان صيف عام 2003 الذي شهد واحدة من أسوأ الكوارث المناخية في القارة.

ورغم مرور أكثر من عقدين على تلك الأزمة، لا تزال أوروبا تسجل عشرات الآلاف من الوفيات سنويًا نتيجة ارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يثير تساؤلات حول أسباب استمرار ارتفاع الضحايا، رغم الخطط الحكومية وإجراءات الوقاية التي جرى تطويرها خلال السنوات الماضية.

أرقام مقلقة

تشير التقديرات إلى أن نحو 191 مليون شخص في أوروبا تعرضوا أو سيتعرضون لدرجات حرارة تتجاوز 35 درجة مئوية خلال الأيام الأخيرة، فيما بدأت السلطات الصحية في عدد من الدول رصد الوفيات الإضافية المرتبطة بموجة الحر.

وفي فرنسا، أعلنت وكالة الصحة العامة تسجيل نحو ألف وفاة إضافية فوق المعدلات الطبيعية خلال موجة الحر الحالية، موضحة أن كبار السن الذين تجاوزوا 65 عامًا يمثلون النسبة الأكبر من الضحايا، فيما سجلت الوفيات داخل المنازل ارتفاعًا ملحوظًا، خاصة في منطقة باريس وضواحيها.

تغير المناخ يضاعف المخاطر

يرى خبراء المناخ أن التغير المناخي أصبح العامل الأبرز وراء تكرار موجات الحر وارتفاع شدتها، نتيجة زيادة انبعاثات الغازات الدفيئة والاحتباس الحراري، وهو ما أدى إلى تحول الظواهر المناخية القاسية إلى أحداث أكثر تكرارًا واستمرارًا.

ويؤكد مسؤولو منظمة الصحة العالمية أن موجات الحر لم تعد أحداثًا موسمية عابرة، بل أصبحت تهديدًا صحيًا متكررًا يستدعي تطوير خطط استجابة أكثر شمولًا، مع التركيز على حماية الفئات الأكثر عرضة للخطر.

شيخوخة السكان

من أبرز الأسباب التي تجعل أوروبا أكثر تأثرًا بموجات الحر، التركيبة السكانية للقارة، حيث تضم نسبة مرتفعة من كبار السن، وهم الفئة الأكثر عرضة للإصابة بمضاعفات الإجهاد الحراري والجفاف وأمراض القلب والجهاز التنفسي خلال فترات الحرارة المرتفعة.

وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن أوروبا، رغم أنها تضم أقل من 10% من سكان العالم، سجلت أكثر من ثلث الوفيات العالمية المرتبطة بالحرارة بين عامي 2000 و2019، فيما فقدت القارة أكثر من 200 ألف شخص بسبب موجات الحر خلال السنوات الأربع الماضية.

مبانٍ غير مهيأة للصيف

كما تلعب طبيعة المباني الأوروبية دورًا مهمًا في زيادة المخاطر، إذ صُممت غالبية المنازل للاحتفاظ بالحرارة خلال فصل الشتاء، وليس للتعامل مع موجات الحر الطويلة.

وتحولت العديد من الشقق، خاصة في المدن الكبرى مثل باريس، إلى ما يشبه الأفران بسبب تصميم الأسطح وغياب أنظمة التبريد، وهو ما يزيد من معاناة السكان، خصوصًا كبار السن والأشخاص الذين يقضون معظم أوقاتهم داخل المنازل.

نقص أجهزة التكييف

ويعد انخفاض معدلات استخدام أجهزة التكييف أحد أبرز الفروق بين أوروبا ومناطق أخرى مثل الولايات المتحدة، حيث لا تتجاوز نسبة المنازل المزودة بأنظمة تكييف في أوروبا نحو 20%، مقابل نحو 90% في الولايات المتحدة.

ولا يقتصر نقص التبريد على المنازل، بل يمتد إلى المدارس والمستشفيات ووسائل النقل وأماكن العمل، الأمر الذي يزيد من معدلات التعرض للإجهاد الحراري، ويؤثر على صحة العاملين والمرضى والطلاب.

ضغوط على الخدمات العامة

وأجبرت موجة الحر الحالية عددًا من الدول الأوروبية على اتخاذ إجراءات استثنائية، شملت إغلاق آلاف المدارس، وتعليق تشغيل بعض القطارات غير المكيفة، إلى جانب إصدار تحذيرات صحية متكررة للسكان، خاصة كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.

كما دعت نقابات العمال في الاتحاد الأوروبي إلى وضع تشريعات تلزم أصحاب العمل بتوفير فترات راحة وأماكن مبردة للعاملين، بعد ارتفاع الوفيات المرتبطة بالحرارة في مواقع العمل خلال السنوات الأخيرة.

ويرى مختصون أن مواجهة موجات الحر في أوروبا لم تعد تقتصر على إصدار التحذيرات الجوية، بل تتطلب إعادة تصميم المدن والمباني، وتوسيع استخدام أنظمة التبريد، وتعزيز خطط الرعاية الصحية للفئات الأكثر هشاشة.

ومع استمرار تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة عامًا بعد آخر، تبدو أوروبا أمام تحدٍ طويل الأمد يستدعي استثمارات أكبر في البنية التحتية الصحية والمناخية، لضمان الحد من الخسائر البشرية وحماية السكان من أخطار أصبحت أكثر تكرارًا وشدة.

تم نسخ الرابط