من الرابح ومن الخاسر؟ خبراء يقرأون لـ"الجمهور" كواليس الاتفاق الأمريكي الإيراني
أكد رضوان قاسم، مؤسس مركز بروجن للدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية، أن العلاقات الأمريكية الإيرانية دخلت مرحلة متقدمة على طريق التوصل إلى اتفاق شامل، مشيراً إلى أن فرص التراجع من قبل أي من الطرفين أصبحت محدودة للغاية رغم استمرار وجود بعض العقبات والتحديات.
لا يمكن التراجع عن الاتفاق
وقال قاسم، في تصريحات خاصة لـ «الجمهور »، إن ما يجري حالياً لا يمكن وصفه باتفاق نهائي، وإنما هو «ورقة تفاهم» أو مذكرة تمهد للوصول إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، لافتاً إلى أن الخاسر الأكبر من هذا المسار هو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى جانب أطراف سياسية أخرى تراهن على استمرار التصعيد.

وأوضح أن البند الأساسي في ورقة التفاهم يتمثل في وقف الحرب على مختلف الجبهات، ولا سيما الجبهة اللبنانية، مؤكداً أن استكمال مسار المفاوضات يرتبط بتنفيذ هذا البند بصورة كاملة.
وأضاف أن إيران تسعى إلى دفع الإدارة الأمريكية، والرئيس دونالد ترامب تحديداً، إلى ممارسة ضغوط أكبر على نتنياهو من أجل وقف العمليات العسكرية في لبنان، مشدداً على أن طهران لا تستطيع التخلي عن حلفائها أو التراجع عن التفاهمات التي تم التوصل إليها خلال المفاوضات.
نتنياهو يسعى لعودة الحرب
وأشار قاسم إلى أن نتنياهو، من وجهة نظره، يسعى إلى إفشال أي تفاهم أمريكي إيراني، لأن استمرار الحرب يمنحه فرصة للبقاء في السلطة وتجنب أزماته السياسية والقضائية الداخلية، موضحاً أن وقف الحرب قد يؤدي إلى تفكك الائتلاف الحاكم وخروجه من المشهد السياسي.
وفي الشأن اللبناني، انتقد قاسم مواقف بعض المسؤولين اللبنانيين، معتبراً أن السياسات المتبعة تجاه ملف المقاومة تمنح إسرائيل ذرائع إضافية لمواصلة عملياتها العسكرية، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد الداخلي والإقليمي.
ورأى أن المقاومة اللبنانية لا ترغب في الانجرار إلى أي صدام داخلي، كما أن إيران تتعامل مع الدولة اللبنانية باعتبارها جهة رسمية ذات سيادة، الأمر الذي يفرض عليها مراعاة التوازنات السياسية القائمة داخل لبنان.
وأكد مؤسس مركز بروجن أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يضع أولوية كبيرة لإنجاز اتفاق مع إيران، معتبراً أن ذلك ينسجم مع رغبته في تقديم نفسه كصانع للسلام ونجاح دبلوماسي جديد على الساحة الدولية.
وأشار إلى أن واشنطن قد تلجأ إلى زيادة الضغوط السياسية والعسكرية على إسرائيل لدفعها نحو وقف العمليات العسكرية والعودة إلى مسار التفاوض، لافتاً إلى أن إسرائيل تواجه صعوبة في الاستمرار بأي مواجهة طويلة الأمد دون الدعم الأمريكي المباشر.
وأضاف أن الأزمة لا تزال حتى الآن محصورة في الإطار الدبلوماسي والاقتصادي، بما في ذلك الضغوط المرتبطة بمضيق هرمز، لكنه حذر من أن استمرار التصعيد قد يدفع إيران إلى التدخل العسكري المباشر، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام مواجهة أوسع مع إسرائيل.
واختتم قاسم تصريحاته بالتأكيد على أن المصلحة المشتركة لكل من الولايات المتحدة وإيران تقتضي العودة إلى طاولة المفاوضات والتوصل إلى اتفاق، خاصة في ظل ضيق الوقت أمام الإدارة الأمريكية ورغبة ترامب في تحقيق مزيد من الإنجازات السياسية قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
من جانبه، رأى الدكتور ميرزاد حاجم، مدير مركز الدبلوماسية الشعبية والباحث في مركز البحوث العلمية والاستشارات التطبيقية، أن التطورات الأخيرة بين إيران وإسرائيل أنهت عملياً مرحلة "حرب الظل" التي سادت لسنوات، ودفعت المنطقة إلى واقع استراتيجي جديد أكثر تعقيداً وانكشافاً.
وأوضح حاجم لـ"الجمهور" أن احتمالات التصعيد في منطقة الخليج، خصوصاً فيما يتعلق بمضيق هرمز، لا يمكن قراءتها من زاوية عسكرية فقط، بل يجب فهمها في إطار ما يُعرف بـ"تسليح الجغرافيا"، حيث تمتلك طهران القدرة على استخدام موقعها الجغرافي كورقة ضغط مؤثرة على أسواق الطاقة العالمية.
وأشار إلى أن أي خطوة إيرانية تستهدف تعطيل حركة الملاحة في المضيق ستؤدي إلى تداعيات اقتصادية دولية واسعة، إلا أن الرد الأمريكي -بحسب تقديره- لن يتجه نحو حرب برية أو محاولة إسقاط النظام الإيراني، بل سيعتمد على توجيه ضربات دقيقة ومكثفة تستهدف البنية العسكرية وقدرات القيادة والسيطرة بهدف تأمين الممرات البحرية والحفاظ على تدفق التجارة العالمية.
وفي ما يتعلق بالعلاقة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يرى الخبير أن هناك تبايناً في طريقة إدارة الملفات الإقليمية، موضحاً أن نتنياهو يعتمد على سياسة التصعيد باعتبار أن الدعم الأمريكي سيظل قائماً في نهاية المطاف، بينما ينظر ترامب إلى التحالفات من منظور المصالح المباشرة والعائد السياسي والاقتصادي.
وأضاف أن الإدارة الأمريكية الحالية تبدو أكثر اهتماماً بتحقيق مكاسب دبلوماسية سريعة وقابلة للقياس، بدلاً من الانخراط في صراعات طويلة الأمد قد تستنزف الموارد الأمريكية وتؤثر على أولوياتها الاستراتيجية.
وعن التصريحات المتداولة بشأن إمكانية إسناد دور أكبر لسوريا في مواجهة حزب الله، اعتبر حاجم أن هذا الطرح يندرج ضمن الرسائل السياسية أكثر من كونه مشروعاً قابلاً للتنفيذ على أرض الواقع، مشيراً إلى أن سوريا ما زالت تواجه تحديات داخلية كبيرة تجعل من الصعب عليها الانخراط في أي مواجهة إقليمية خارج حدودها.
وأكد أن دمشق تركز حالياً على إعادة بناء مؤسساتها وتعزيز الاستقرار الداخلي، وهو ما يجعل أي سيناريو يدفعها نحو صراع مباشر مع قوى مسلحة فاعلة في المنطقة خياراً شديد التعقيد وغير واقعي من الناحية العملية.
وأوضح أن إثارة هذا النوع من السيناريوهات تحمل رسائل سياسية موجهة إلى أطراف إقليمية مختلفة، وفي مقدمتها إسرائيل، بهدف التأكيد على أن واشنطن تمتلك بدائل وأدوات متعددة لإعادة تشكيل الترتيبات الأمنية في المنطقة إذا اقتضت مصالحها ذلك.
واختتم حاجم قراءته بالتأكيد على أن الشرق الأوسط لا يتجه حالياً نحو حرب شاملة ولا نحو استقرار دائم، بل نحو مرحلة جديدة من توازنات الردع والضغوط المتبادلة، حيث ستظل الساحات الإقليمية، وفي مقدمتها لبنان، جزءاً من حسابات النفوذ والتفاوض بين القوى الكبرى والإقليمية خلال السنوات المقبلة.



