موازنة 2026–2027 تشعل البرلمان.. موافقة نهائية وسط صدام حول تريليونات الديون وأولويات الإنفاق
أقر مجلس النواب بشكل نهائي مشروع الموازنة العامة للدولة وخطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعام المالي 2026 – 2027، في جلسة شهدت مناقشات ساخنة ومواجهة واضحة بين رؤية الحكومة التي تؤكد السعي لتحقيق التوازن المالي وتحسين الخدمات، وانتقادات عدد من النواب الذين اعتبروا أن أرقام الموازنة الحالية لا تعكس الأولويات المطلوبة في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها المواطنون.
ورغم تمرير الموازنة، فإن الجلسة لم تمر بهدوء، حيث عبّر عدد من أعضاء المجلس عن تحفظاتهم على عدد من البنود، خاصة ما يتعلق بارتفاع أعباء الدين العام، وتراجع القدرة على زيادة الإنفاق في قطاعات أساسية مثل الصحة والتعليم، بالإضافة إلى المطالبات بزيادة الدعم وتحسين أوضاع أصحاب المعاشات.
وكان من أبرز الانتقادات ما طرحه النائب إسلام قرطام، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب المحافظين، الذي أعلن رفضه للموازنة، مطالبًا الحكومة بتغيير خطتها الاقتصادية، مشبهًا الأمر بتغيير المنتخب المصري لخطة لعبه خلال إحدى المباريات وتحقيق نتيجة أفضل.
وأكد قرطام أن التحدي الأكبر في الموازنة يتمثل في ملف الديون، موضحًا أن الدولة تعتمد على الاقتراض في حدود تريليونات الجنيهات لسداد التزامات وديون سابقة، وهو ما اعتبره عبئًا قد يمتد تأثيره إلى الأجيال المقبلة.
وأشار إلى أن فوائد الدين تمثل رقمًا ضخمًا داخل الموازنة، متسائلًا عن جدوى توجيه جزء كبير من الإنفاق لسداد الفوائد بدلًا من توجيهه إلى مشروعات التنمية وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
من جانبه، أعلن النائب سمير البيومي رفضه للموازنة أيضًا، مؤكدًا أنها لا تعكس بشكل كافٍ شعار "بناء الإنسان" الذي ترفعه الحكومة، موضحًا أن مخصصات خدمة الدين تتجاوز ما يتم إنفاقه على قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والبحث العلمي مجتمعة.
وأضاف البيومي أن بناء الإنسان يحتاج إلى استثمارات حقيقية في الخدمات الأساسية، خاصة القطاع الصحي، متسائلًا عن قدرة المواطن على الحصول على رعاية طبية مناسبة في ظل احتياجات المستشفيات وارتفاع الطلب على الخدمات العلاجية.
كما ركز النائب محمد الدماطي على الجانب الاجتماعي، خاصة ملف المعاشات، مؤكدًا أن بعض أصحاب المعاشات يواجهون صعوبة في تلبية احتياجاتهم اليومية بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة.
وطالب الدماطي برفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 4 آلاف جنيه على الأقل، محذرًا من أن استمرار الضغوط الاقتصادية قد يزيد من الأعباء على المواطنين، مؤكدًا أن الشارع يعاني من تحديات معيشية تحتاج إلى حلول أكثر تأثيرًا.
الحكومة ترد: الموازنة تستهدف تحسين الإيرادات وترشيد الإنفاق دون ضرائب جديدة
وفي ملف التنمية المحلية، طالب النائب أحمد القهموري بضرورة زيادة التمويل المخصص لمشروعات مبادرة حياة كريمة، مؤكدًا أن هناك العديد من المشروعات التي تحتاج إلى استكمال في القرى والمراكز، خاصة مشروعات مياه الشرب والصرف الصحي وإنشاء المدارس وتوصيل الغاز الطبيعي.
وأوضح القهموري أن نجاح خطط التنمية لا يعتمد فقط على إطلاق المشروعات، وإنما يحتاج إلى توفير الموارد المالية الكافية لإنهائها وتحقيق الاستفادة الكاملة منها على أرض الواقع.
كما وجّه النائب أحمد بلال، عضو الهيئة البرلمانية لحزب التجمع، انتقادات واسعة لفلسفة توزيع الإنفاق داخل الموازنة، مشيرًا إلى أن هناك فارقًا كبيرًا بين مخصصات دعم السلع الأساسية وبين ما يتم توجيهه لفوائد الدين.
وأوضح بلال أن دعم الخبز والسلع التموينية يبلغ نحو 178 مليار جنيه، في الوقت الذي تصل فيه فوائد الدين إلى ما يقارب 2.42 تريليون جنيه، معتبرًا أن هذه الأرقام تكشف الحاجة إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام.
وانتقد بلال ما وصفه بالتعامل مع دعم الفئات الأكثر احتياجًا باعتباره عبئًا، بينما يتم تقديم حوافز وإعفاءات لدعم الاستثمار، مطالبًا بتحقيق توازن أكبر بين دعم الاقتصاد وحماية المواطنين.
وفي المقابل، دافعت الحكومة عن الموازنة الجديدة، حيث أكد وزير المالية أحمد كجوك أن إعداد الموازنة جاء بهدف تحقيق توازن بين تنمية موارد الدولة، وتحسين كفاءة الإنفاق، والحفاظ على دعم القطاعات الخدمية والحماية الاجتماعية.
وشدد الوزير على أن الحكومة لا تستهدف تحميل المواطنين أو المستثمرين أعباء ضريبية جديدة، موضحًا أن العمل يتركز على تحسين الإدارة المالية للدولة وزيادة كفاءة تحصيل الإيرادات وترشيد المصروفات.
وأكد كجوك أن ملاحظات مجلس النواب ولجنة الخطة والموازنة محل اهتمام الحكومة، وأنه سيتم العمل على متابعة تنفيذ بنود الموازنة بشكل دوري لضمان تحقيق الأهداف الموضوعة.
وفي ختام الجلسة، وبعد نقاشات واسعة بين المؤيدين والمعارضين، وافق مجلس النواب نهائيًا على الموازنة العامة للدولة وخطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعام المالي الجديد، لتدخل مرحلة التنفيذ بداية من يوليو المقبل، وسط متابعة وترقب من الشارع المصري لمعرفة مدى انعكاس هذه الأرقام والسياسات الجديدة على مستوى الخدمات والمعيشة خلال الفترة المقبلة.


