رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

اللواء د. رضا فرحات يكتب: دعوة ترامب للاستثمار في مصر.. رسائل تتجاوز الاقتصاد

فرحات
فرحات

جاءت دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال انعقاد قمة السبع في فرنسا، لدول العالم ورجال الأعمال بضرورة تعزيز استثماراتهم في مصر، لتشكل مؤشرا سياسيا واستراتيجيا لافتا يستدعي التوقف أمامه بالتحليل، لما تعكسه من دلالات تتجاوز البعد الاقتصادي المباشر إلى أبعاد أوسع تتعلق بمكانة مصر في خريطة الاستثمار العالمية وتوازنات النفوذ الإقليمي والدولي.

إن الاستثمار في عالم اليوم لم يعد مجرد قرار اقتصادي تحكمه اعتبارات الربح والخسارة، وإنما أصبح جزءا من منظومة الأمن القومي والمصالح الجيوسياسية للدول، رأس المال العالمي يتحرك نحو البيئات القادرة على توفير الاستقرار السياسي والأمني، وضمان استمرارية سلاسل الإمداد، وتأمين حركة التجارة والطاقة، وهي معايير أصبحت أكثر أهمية في ظل حالة الاضطراب التي يشهدها النظام الدولي والإقليمي.


الدعوة الأمريكية تأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث تواجه المنطقة مجموعة من التحديات المتزامنة، بدءا من التصعيد المرتبط بالملف الإيراني وما يفرضه من مخاطر على أمن الطاقة العالمي، مرورا بالأوضاع في غزة والبحر الأحمر، وصولا إلى الأزمات الممتدة في السودان وليبيا ولكن في ظل هذه البيئة المعقدة، تبرز مصر باعتبارها الدولة الأكثر قدرة على الحفاظ على توازنها الداخلي واستقرار مؤسساتها، وهو ما يجعلها نقطة ارتكاز رئيسية في معادلات الاستقرار الإقليمي.

إن أهمية مصر في الحسابات الدولية لا ترتبط فقط بموقعها الجغرافي الفريد أو إشرافها على أحد أهم الممرات الملاحية في العالم، وإنما تتعلق أيضا بقدرتها على أداء أدوار سياسية وأمنية تتجاوز حدودها الوطنية، فالدولة المصرية أصبحت خلال السنوات الأخيرة عنصرا فاعلا في إدارة العديد من الملفات الإقليمية، سواء فيما يتعلق بالحرب الأمريكية الإيرانية والقضية الفلسطينية أو الأوضاع في ليبيا والسودان أو أمن البحر الأحمر، الأمر الذي عزز من مكانتها كشريك استراتيجي لا غنى عنه في معادلة الأمن والاستقرار بالشرق الأوسط.

الإشارة الأمريكية تعكس إدراكا متزايدا لحجم التحولات التي شهدتها مصر خلال العقد الأخير من مشروعات البنية التحتية العملاقة، والتوسع في إنشاء المدن الجديدة، وتطوير شبكات الطرق والموانئ والمناطق اللوجستية، وهي لم تكن مجرد مشروعات تنموية، وإنما كانت استثمارات استراتيجية استهدفت إعادة تشكيل البيئة الاقتصادية المصرية بما يتوافق مع متطلبات الاقتصاد العالمي الحديث، كما أن الإصلاحات الاقتصادية التي تم تنفيذها خلال السنوات الماضية، رغم ما صاحبها من تحديات وتكاليف اجتماعية، ساهمت في تعزيز قدرة الاقتصاد المصري على الصمود أمام الصدمات الخارجية، وأعادت تقديم مصر للأسواق الدولية باعتبارها اقتصادا يمتلك فرص نمو حقيقية وقاعدة إنتاجية قابلة للتوسع، وليس مجرد سوق استهلاكية كبيرة.

ومن زاوية أخرى، فإن دعوة ترامب لا يمكن فصلها عن التحولات الجارية في الاستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، الولايات المتحدة تدرك أن المنطقة مقبلة على مرحلة إعادة تموضع اقتصادي وجيوسياسي واسعة، وأن الحفاظ على توازنات الاستقرار يتطلب دعم الدول القادرة على لعب أدوار محورية في حماية المصالح الدولية، سواء فيما يتعلق بأمن الملاحة أو الطاقة أو حركة التجارة العالمية، وفي هذا السياق، تبدو مصر أحد أهم المرتكزات التي يمكن البناء عليها في أي تصور مستقبلي لاستقرار المنطقة.

غير أن الأهمية الحقيقية لمثل هذه التصريحات لا تكمن في بعدها الرمزي فقط، وإنما في قدرتها على التأثير في اتجاهات الأسواق والمستثمرين، التجارب الدولية تؤكد أن رأس المال يتابع بدقة إشارات الثقة الصادرة عن القوى الكبرى والمؤسسات الدولية، وغالبا ما تشكل هذه الإشارات عنصرا مؤثرا في اتخاذ القرارات الاستثمارية، خاصة بالنسبة للمستثمرين الذين يفضلون الانتظار حتى تتضح مؤشرات الاستقرار والجدوى الاقتصادية.

وفي التقدير الاستراتيجي، فإن مصر تمتلك اليوم مقومات تؤهلها للاستفادة من التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، خاصة في قطاعات الطاقة المتجددة، والصناعة التحويلية، والخدمات اللوجستية، والاقتصاد الرقمي، وهي القطاعات التي ستشكل المحرك الرئيسي للنمو خلال العقود المقبلة و مصر مطالبة اليوم بالتعامل مع هذه الدعوة باعتبارها فرصة استراتيجية يجب البناء عليها بفعالية وسرعة، من خلال تحويل الزخم السياسي والدبلوماسي إلى مكاسب اقتصادية مباشرة، عبر جذب استثمارات نوعية في القطاعات ذات الأولوية، وتقديم حوافز أكثر مرونة، وتعظيم الاستفادة من حالة الثقة المتزايدة في الاقتصاد المصري، بما ينعكس على معدلات النمو، وتوسيع قاعدة الإنتاج، وزيادة فرص التشغيل.

لذلك، فإن دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للاستثمار في مصر يمكن قراءتها باعتبارها مؤشرا على تنامي الثقة الدولية في الدولة المصرية، واعترافا بمكانتها المتصاعدة في معادلات الاقتصاد والسياسة الإقليمية غير أن القيمة الحقيقية لهذه الدعوة لن تقاس بصدورها أو بتأثيرها الإعلامي، وإنما بمدى قدرتها على جذب استثمارات نوعية تعزز الإنتاج والتشغيل وترسخ موقع مصر كقوة اقتصادية إقليمية فاعلة وشريك أساسي في منظومة الاستقرار والتنمية على المستويين الإقليمي والدولي.

تم نسخ الرابط