نائب الممثل الإقليمي لـ«الأمم المتحدة للجريمة لـ«الجمهور»: الذكاء الاصطناعي سلاح الجريمة الجديد
في وقتٍ يشهد فيه العالم تحولًا رقميًا متسارعًا لفتح آفاقًا واعدة للتنمية، ولكنه في الوقت ذاته وفر بيئة خصبة للاستغلال الإجرامي، انطلقت في القاهرة أعمال المؤتمر الإقليمي الرفيع المستوى حول "مكافحة الجريمة السيبرانية والوقاية منها والتصدي للتهديدات المستحدثة والتعامل مع الأدلة الإلكترونية، وحتمية التعاون الدولي".
المؤتمر الذي تستضيفه وزارة العدل المصرية بقيادة المستشار محمود حلمي الشريف، بالتعاون مع مجلس أوروبا والاتحاد الأوروبي، حيث يعد من أوائل الفعاليات الإقليمية التي تُعقد عقب اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة السيبرانية.
على هامش هذا الحدث، التقينا بـ ميرنا بو حبيب، نائب الممثل الإقليمي لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لنتحاور معها حول أبعاد الاستجابة الأممية، والتحديات القانونية للأدلة الرقمية، والدور المحوري للمكتب الإقليمي في دعم دول المنطقة.
وإلى نص الحوار :
الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة.. سلاح الجريمة الجديد
استهلت ميرنا بو حبيب حديثها بالتشخيص الدقيق لطبيعة التهديد الحالي، موضحةً أن الجريمة السيبرانية لم تعد مجرد اختراقات عابرة، بل أصبحت في الفترة الحالية أكثر تعقيدًا وقدرة على التكيف، وأشد اتسامًا بالطابع العابر للحدود.
وأشارت ميرنا، إلى أننا نشهد تصاعدًا مستمرًا في الهجمات التي تستهدف البنى التحتية الحيوية، وإساءة استخدام العملات المشفرة لإخفاء العائدات الإجرامية، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل جرى توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لتسهيل الأنشطة الإجرامية وإضفاء مزيد من الاحترافية عليها، وهو ما يستوجب تطويرًا موازيًا في وتيرة استجابة المؤسسات المعنية.
الوقاية بتحصين الشباب من المخاطر الرقمية
وعند سؤالها عن خط الدفاع الأول في مواجهة هذه المنظومة الإجرامية المعقدة، شددت "بو حبيب" على حتمية "الوقاية"، مؤكد أن الاستثمار الحقيقي يجب أن يوجه صوب التوعية العامة وتعزيز الثقافة الرقمية ونشر وعي الأمن السيبراني.
وتابعت أن هذا النهج يتطلب بالضرورة تدخلًا حاسمًا على المستوى المجتمعي، وترسيخ ثقافة الاستخدام الآمن لتكنولوجيا المعلومات، لا سيما بين فئة الشباب والفئات الأكثر عرضة للمخاطر.
تحدي "الأدلة الرقمية" الهشة في ساحات القضاء
وانتقالًا إلى الشق الإجرائي، أكدت نائب الممثل الإقليمي، أن الوقاية وحدها لا تكفي، بل يتعين تعزيز آليات المكافحة الجنائية، موضحة أن الأدلة الرقمية والإلكترونية باتت اليوم العنصر المحوري والحلقة الحاسمة لإثبات القصد الجنائي وتحديد هوية الجناة.
وأضافت أن ومع ذلك، تواجه سلطات إنفاذ القانون تحديات عملية وقانونية متزايدة نظرًا للطبيعة الهشة للأدلة الرقمية وإمكانية حذفها، أو تعديلها، أو تشفيرها، فضلاً عن تعدد مصادرها خارج حدود الدولة الواحدة، وهنا تبرز الحاجة الملحّة لتأهيل الكوادر وتطوير تدابير إجرائية وطنية تضمن جمع وحفظ وتحليل هذه الأدلة وتقييم حجيتها أمام المحاكم بالشكل الصحيح.
الاتفاقية الأممية الجديدة.. مظلة عالمية موحدة وملزمة
وحول الإطار القانوني الدولي الجديد، أوضحت السيدة ميرنا بو حبيب، أن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة السيبرانية والتي اعتمدتها الجمعية العامة عام 2024 وفتح باب التوقيع عليها عام 2025، تأتي كأول صك عالمي ملزم قانونًا مخصص لهذا الشأن.
وأشارت إلى أن الاتفاقية لا تنافس الأطر الإقليمية القائمة كـ اتفاقية بودابست، والاتفاقية العربية، واتفاقية مالابو، بل تسهم في معالجة الفجوة التشريعية وربط هذه الأطر ضمن مظلة عالمية موحدة، وتعمل الاتفاقية على تحديث ومواءمة القوانين الجنائية، ووضع إجراءات مشتركة بشأن الأدلة الإلكترونية، مع الحفاظ الكامل على المرونة اللازمة للدول لتكييف تنفيذها وفقاً لأنظمتها الدستورية، وضمان احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية ومقتضيات المحاكمة العادلة.
ولفتت إلى أن دخول الاتفاقية حيز النفاذ يتطلب تصديق 40 دولة، مما يمثل فرصة سانحة للوفود المشاركة للمساهمة في بلوغ هذا النصاب.
13 دولة تحت مظلة المكتب الإقليمي
وفيما يتعلق بالنطاق الجغرافي لعمل المكتب، كشفت "بو حبيب" أن المكتب الإقليمي يغطي 13 دولة تمتد في نطاقها الجغرافي الواسع من المغرب وحتى العراق، بالإضافة إلى دولتي السودان وجنوب السودان، ويعمل من خلال مقره الإقليمي كحلقة وصل وتنسيق أساسية لدعم الشركاء في هذه المنطقة الحيوية.
آليات الدعم الفني وبناء القدرات
وأشارت "بو حبيب" إلى أن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، بوصفه الجهة المكلفة بتيسير تنفيذ الاتفاقية، يقف على استعداد تام لتقديم الدعم الشامل لكل دولة في كافة المراحل التوقيع، التصديق، والتنفيذ. ويتمحور هذا الدعم حول:
تقديم المساعدة التقنية والتشريعية لمراجعة القوانين الوطنية لضمان تماشيها مع المعايير الدولية.
بناء القدرات المؤسسية وإطلاق برامج تدريب متخصصة للقائمين على إنفاذ القانون وسلسلة العدالة الجنائية.
تعزيز القدرات الوطنية في مجالات التحقيقات الرقمية، الملاحقات القضائية، وتوثيق الأدلة الإلكترونية، وتفعيل آليات التعاون السريع وعبر الحدود.
إشادة بالريادة المصرية والدور المحوري للقاهرة
وفي ختام حديثها، توجهت السيدة ميرنا بو حبيب بخالص التقدير والثناء إلى جمهورية مصر العربية، مشيدةً باستضافتها الكريمة للمؤتمر عبر وزارة العدل، مؤكدة أن اتخاذ المكتب من العاصمة المصرية "القاهرة" مقرًا إقليميًا له يعكس الإيمان الكامل بالدور الريادي والمحوري الذي تلعبه مصر في المنطقة.
وتابعت قائلة: "إن مصر لا تتوانى عن دعم كافة المبادرات الإقليمية، وتلعب دورًا قياديًا مستندًا إلى خبراتها الكبيرة وكوادرها المؤهلة، فضلًا عن رغبتها الصادقة والمستمرة في تقديم الدعم والخدمات لتعزيز أمن واستقرار المنطقة ومواجهة الجريمة السيبرانية العابرة للحدود".
