كنز القاهرة المفقود.. مشروع استثنائي يعيد رسم خريطة العاصمة بقلب الفسطاط
في قلب القاهرة التاريخية، وعلى مقربة من أعرق الشواهد الحضارية التي تحكي تاريخ مصر عبر العصور، يتشكل مشروع تنموي ضخم يمثل نموذجًا جديدًا لرؤية الدولة المصرية في إعادة إحياء المناطق التراثية وتحويلها إلى مراكز جذب سياحي وثقافي واقتصادي.
تلال الفسطاط
إنه مشروع "حدائق تلال الفسطاط"، الذي يعد واحدًا من أكبر المشروعات التنموية والحضرية الجاري تنفيذها في الشرق الأوسط، ليس فقط من حيث المساحة، وإنما أيضًا من حيث تنوع مكوناته وأهدافه التنموية.

وفي إطار المتابعة المستمرة لمعدلات التنفيذ، أجرت المهندسة راندة المنشاوي، وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، جولة تفقدية موسعة بالمشروع، رافقها خلالها المهندس خالد صديق، رئيس صندوق التنمية الحضرية، واللواء أسامة الجنزوري، رئيس الجهاز المركزي للتعمير، إلى جانب مسؤولي الوزارة والشركات المنفذة والاستشاريين.

الجولة لم تكن مجرد متابعة دورية للأعمال الإنشائية، بل حملت رسائل واضحة تؤكد اهتمام الدولة بهذا المشروع باعتباره أحد أهم المشروعات التي تعكس استراتيجية التنمية العمرانية الشاملة التي تنفذها الجمهورية الجديدة.
المشروع على مساحة 500 فدان
يقام مشروع حدائق تلال الفسطاط على مساحة تصل إلى 500 فدان بمنطقة مصر القديمة، في موقع استراتيجي يربط بين عدد من أهم المعالم التاريخية والأثرية، وعلى رأسها المتحف القومي للحضارة المصرية وبحيرة عين الحياة وقلعة صلاح الدين.
ويمثل المشروع رؤية متكاملة لإعادة توظيف المناطق التاريخية بصورة تحقق التوازن بين الحفاظ على التراث والاستفادة الاقتصادية منه، حيث يستهدف تحويل منطقة الفسطاط إلى مقصد عالمي يجمع بين السياحة والثقافة والترفيه والاستثمار.

وزيرة الإسكان
وأكدت وزيرة الإسكان خلال الجولة أن المشروع يأتي ضمن خطة الدولة لإحياء المناطق التاريخية ذات القيمة الحضارية، وتعظيم الاستفادة من المقومات التراثية والثقافية التي تمتلكها مصر، بما يسهم في تحسين جودة الحياة للمواطنين، وتنشيط الحركة الاقتصادية والسياحية.
بوابة اقتصادية جديدة
أحد أبرز مكونات المشروع تتمثل في المنطقة الاستثمارية التي تمتد على مساحة 131 ألف متر مربع، وتطل مباشرة على بحيرة عين الحياة، لتشكل واجهة اقتصادية وسياحية متكاملة.
وتضم المنطقة 12 مطعمًا و4 مراكز تجارية حديثة و4 جراجات للسيارات، بالإضافة إلى منطقة مخصصة للاحتفالات والفعاليات الكبرى تضم المسرح الروماني والنافورة المائية ومناطق تنسيق الموقع.

وتستهدف هذه المنطقة جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، فضلًا عن توفير خدمات متكاملة للزائرين والسائحين.
الثقافة والتراث بقلب المشروع
ويحظى البعد الثقافي باهتمام خاص داخل مشروع حدائق تلال الفسطاط، حيث تم تصميم المنطقة الثقافية لتكون إحدى أهم نقاط الجذب بالمشروع.
وتقع المنطقة أمام البوابة الرئيسية مباشرة، وترتبط بمحور رئيسي يصلها بالمتحف القومي للحضارة المصرية، بما يعزز التكامل بين المكونات الثقافية والسياحية للمنطقة.

كما تضم ساحات واسعة للأنشطة الثقافية والفنية ومناطق للخدمات والمطاعم والكافتيريات، بالإضافة إلى نوافير ومساحات مفتوحة مخصصة لاستضافة الفعاليات والمهرجانات والاحتفالات على مدار العام.
ويمثل هذا التوجه ترجمة عملية لرؤية الدولة الرامية إلى تحويل الثقافة إلى قوة دافعة للتنمية الاقتصادية والسياحية.
مساحات خضراء غير مسبوقة
حرص المخطط العام للمشروع على تحقيق التوازن بين البعد الحضاري والبعد البيئي، من خلال تخصيص مساحات واسعة للمسطحات الخضراء والمناطق الترفيهية.
وتعد منطقة المغامرة واحدة من أبرز هذه المناطق، حيث تضم مناطق ألعاب للأطفال ومبانٍ خدمية وبحيرات صناعية ومرافق متنوعة، بالإضافة إلى مساحات خضراء واسعة توفر بيئة ترفيهية متكاملة للأسر والزوار.

ويأتي ذلك في إطار توجه الدولة لزيادة نصيب الفرد من المساحات المفتوحة والخضراء داخل المدن الكبرى، وتحسين البيئة العمرانية في العاصمة.
إطلالات ساحرة على التاريخ
ربما تكون منطقة التلال والوادي هي الأكثر تميزًا داخل المشروع، حيث تتكون من ثلاث تلال مختلفة الارتفاعات يتوسطها ممر مائي يعرف باسم "النهر".
وتوفر هذه التلال إطلالات بانورامية فريدة على القاهرة التاريخية وقلعة صلاح الدين والمناطق المحيطة، ما يجعلها من أبرز نقاط الجذب السياحي بالمشروع.
وتضم المنطقة "تلة القصبة" المقامة على مساحة 13 ألف متر مربع، والتي تحتوي على فندق سياحي ومبانٍ خدمية وبحيرة صناعية ومدرجات ومناطق جلوس وكوبري للمشاة.

تلة الحفائر
أما "تلة الحفائر"، فتمثل بعدًا أثريًا بالغ الأهمية، حيث يجري العمل على الكشف عن بقايا مدينة الفسطاط التاريخية وترميمها وتطويرها لتصبح مقصدًا أثريًا وسياحيًا وثقافيًا متكاملًا على مساحة تقترب من 47 فدانًا.
كما تضم المنطقة ممشى سياحيًا بطول كيلومتر كامل يربط بين عناصر المشروع المختلفة ويمنح الزائر تجربة فريدة تجمع بين التاريخ والطبيعة.
إحياء الحرف المصرية
ومن بين الأهداف المهمة للمشروع الحفاظ على التراث الحرفي المصري، وهو ما تجسده منطقة الأسواق المقامة على مساحة 60 ألف متر مربع.
وتستهدف المنطقة دعم الصناعات والحرف التقليدية مثل الزجاج والخزف والسيراميك والشمع والغزل والنسيج، من خلال توفير بيئة مناسبة لعرض وتسويق المنتجات التراثية.

كما تضم المنطقة محال تجارية وبحيرات صناعية ومسطحات خضراء وفندقًا سياحيًا، بما يجعلها مركزًا متكاملًا للسياحة الثقافية والتراثية.
ضمان سرعة الإنجاز
وعقب الجولة الميدانية، عقدت وزيرة الإسكان اجتماعًا موسعًا مع الشركات المنفذة والاستشاريين ومسؤولي المشروع، لمراجعة نسب التنفيذ ومناقشة التحديات القائمة.
وأكدت الوزيرة ضرورة الالتزام الكامل بالبرامج الزمنية المحددة، مع تكثيف معدلات العمل وزيادة أعداد العمالة والمعدات في المواقع التي تتطلب ذلك، مشددة على أهمية إعداد تقارير أسبوعية لمتابعة الموقف التنفيذي.
كما شددت على تطبيق أعلى معايير الجودة في جميع مراحل التنفيذ والتشغيل، بما يتناسب مع القيمة الحضارية والتاريخية للمشروع، مع الحفاظ على الطابع التراثي للمنطقة وتحقيق التكامل بين العناصر البيئية والثقافية والاستثمارية.
رؤية الجمهورية الجديدة
لا يمثل مشروع حدائق تلال الفسطاط مجرد حديقة عامة أو مشروعًا ترفيهيًا، بل يعد نموذجًا متكاملًا لفلسفة التنمية التي تتبناها الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة، والقائمة على إعادة إحياء المناطق التاريخية وتحويلها إلى مراكز إنتاج وجذب اقتصادي وسياحي وثقافي.

ومع اقتراب الانتهاء من العديد من مكونات المشروع، تتجه الأنظار إلى هذا الصرح الحضاري الضخم الذي ينتظر أن يغير خريطة السياحة والثقافة والترفيه في القاهرة، وأن يضيف وجهة عالمية جديدة إلى سجل المشروعات القومية التي تنفذها الدولة ضمن مسيرة بناء الجمهورية الجديدة.



