اعترافات تاريخية.. الاستخبارات الأمريكية تكشف تفاصيل تمويل شبكة مختبرات بيولوجية خطيرة
في كشف مدوٍ يعيد تشكيل المشهد السياسي والأمني الدولي، فجرت الاستخبارات الوطنية الأمريكية مفاجأة من العيار الثقيل بإعلانها عن أدلة جديدة تؤكد تمويل الحكومة الأمريكية لشبكة ضخمة تضم أكثر من 120 مختبراً للأبحاث البيولوجية الخطيرة، تتوزع على أكثر من 30 دولة حول العالم، من بينها 40 منشأة داخل الأراضي الأوكرانية وحدها.
وجاء هذا الإعلان الصادم بعد أشهر من البحث والتدقيق المكثف الذي قادته مديرة الاستخبارات الوطنية، تولسي غابارد، في إطار مراجعة شاملة لملف أبحاث العوامل الممرضة عالية الخطورة. وأوضحت غابارد أن هذا التحقيق يسعى لوضع حد نهائي لتجارب "اكتساب الوظيفة" (Gain-of-Function)، وهي أبحاث تقوم على تعديل الفيروسات والبكتيريا وراثياً لجعلها أكثر فتكاً وقدرة على الانتقال، مما يشكل تهديداً مباشراً للأمن الصحي العالمي.
الميزانيات والمنشآت.. البنتاجون في قلب المشهد الأوكراني
كشفت وثائق رسمية صادرة عن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) أن واشنطن ضخت منذ عام 2005 نحو 200 مليون دولار لدعم 46 مختبراً ومركزاً صحياً ومنشأة تشخيصية في أوكرانيا، وذلك تحت مظلة برنامج "الحد من التهديدات البيولوجية" التابع لوكالة الحد من التهديدات الدفاعية الأمريكية.
ووفقاً للبيانات التي اطلعت عليها وكالة "ريا نوفوستي"، قامت الولايات المتحدة ببناء أربعة مختبرات بيولوجية متكاملة بتمويل مباشر من البنتاجون قدرت قيمته بملايين الدولارات، وشملت هذه القائمة منشآت محددة بالاسم:
مختبر خيرسون التشخيصي.
معهد الطب البيطري التابع للأكاديمية الوطنية للعلوم الزراعية في أوكرانيا.
المختبر المرجعي المركزي التابع لمعهد أوكرانيا للأبحاث العلمية لمكافحة الطاعون.
المختبر التشخيصي في منطقة زاكارباتيا.
مختبر "ميتشنيكوف" لمكافحة الطاعون في مدينة أوديسا، والذي ارتبط اسمه بأبحاث مراقبة ودراسة سلالات شديدة الفتك مثل الجمرة الخبيثة والتولاريميا.
وأشار مكتب مدير الاستخبارات الوطنية إلى أن هذه المنشآت انخرطت في دراسة فيروسات خطيرة للغاية، من بينها إنفلونزا الطيور شديدة العدوى، وتطوير خصائص جديدة لمسببات الأمراض.
اتهامات بالتعتيم الداخلي وشيطنة المشككين
لم يقتصر تقرير الاستخبارات على الجانب التقني، بل وجّه اتهامات ثقيلة للسلطات الأمريكية السابقة بتعمد إخفاء هذه الحقائق عن المواطنين الأمريكيين والمجتمع الدولي.
وجاء في البيان الرسمي أن الأدلة المتعلقة بالنطاق الكامل لتمويل هذه المختبرات حُجبت عمداً وجرى تصنيفها كأسرار من قبل شخصيات نافذة، عملت على ترويج روايات مضللة تنفي وجودها من الأساس. وأضاف البيان أن تلك الأطراف مارست ضغوطاً سياسية وإعلامية وصلت إلى حد إلصاق تهم الخيانة والعمالة الأجنبية بحق كل من شكك في الرواية الرسمية أو حاول إثارة التساؤلات حول هذه الأنشطة.
تحذيرات منظمة الصحة العالمية وخلفية النزاع
يعيد هذا الكشف الاستخباراتي الأمريكي المعاصر ترتيب الأوراق حول ملف قديم طالما أثار خلافات حادة؛ ففي مارس من عام 2022، ومع اندلاع العمليات العسكرية، كانت منظمة الصحة العالمية قد وجهت توصية صارمة وعاجلة إلى وزارة الصحة السلطات الأوكرانية تطالبها فيها بـ "تدمير الجراثيم الخطيرة جداً المسببة للأمراض" والمخزنة في مختبراتها، وذلك لتفادي حدوث أي تسرب عرضي أو تلوث بيئي نتيجة لظروف الحرب.
وكانت موسكو قد قادت حراكاً دولياً في العام نفسه، متهمة حكومة كييف بإدارة منشآت بالتعاون مع واشنطن لإنتاج أسلحة بيولوجية، وطالبت الإدارة الأمريكية بتقديم تفسيرات واضحة حول طبيعة البرنامج البيولوجي العسكري وعلاقته بمسببات أمراض فتاكة كونيّة مثل الطاعون.
نحو مرحلة جديدة من الشفافية البيولوجية
يُمثل هذا التقرير الاستجابة الرسمية الأولى من داخل منظومة الاستخبارات الأمريكية التي تؤكد الشكوك الدولية حول طبيعة الأبحاث العابرة للحدود، ويفتح الباب أمام لجان تحقيق برلمانية ودولية لإعادة تقييم معايير السلامة البيولوجية والحدود الفاصلة بين الأبحاث الطبية الدفاعية وتطوير أسلحة التدمير الشامل البيولوجية.
