رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

اللواء د. رضا فرحات يكتب.. الدبلوماسية القسرية وحدود القوة.. هل تنجح الضغوط الأمريكية في إخضاع إيران؟

رضا فرحات
رضا فرحات

في عالم السياسة الدولية لا تتحرك الدول الكبرى دائمًا بين خياري الحرب أو السلام، وإنما تلجأ في كثير من الأحيان إلى منطقة وسطى تجمع بين الضغط والتفاوض في آن واحد، ومن هنا برز مفهوم "الدبلوماسية القسرية" باعتباره أحد أهم الأدوات التي تستخدمها القوى الكبرى لتحقيق أهدافها السياسية والاستراتيجية دون الانزلاق إلى حرب شاملة مفتوحة.

وقد عاد هذا المفهوم إلى الواجهة مجددا مع التصريحات الأمريكية الأخيرة التي أعقبت الضربات العسكرية الموجهة ضد أهداف تابعة للحرس الثوري الإيراني، حيث تحدثت الإدارة الأمريكية عن توظيف "الدبلوماسية القسرية" لدفع طهران نحو القبول بترتيبات جديدة تتعلق بوقف إطلاق النار وإعادة صياغة التوازنات الأمنية في المنطقة.

الدبلوماسية القسرية، وفق الأدبيات الكلاسيكية في العلاقات الدولية، تقوم على الجمع بين التهديد باستخدام القوة وترك باب التفاوض مفتوحا، والهدف ليس تدمير الخصم أو إسقاطه بالكامل، وإنما دفعه إلى تغيير سلوكه أو تقديم تنازلات سياسية محددة،  باعتباره استراتيجية تعتمد على زيادة تكلفة الرفض مع الإبقاء على فرصة التوصل إلى تسوية سياسية.

ومن منظور المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، فإن استخدام الضغوط العسكرية والاقتصادية أثناء المفاوضات ليس أمرا استثنائيا، بل يمثل جزءا طبيعيا من إدارة الصراع بين الدول فالقوة، وفق هذا التصور، ليست بديلا عن التفاوض، وإنما وسيلة لتحسين شروطه ورفع سقف المكاسب المتوقعة منه، وفي ضوء ذلك يمكن فهم الضربات الأمريكية الأخيرة ضد إيران باعتبارها جزءا من استراتيجية أوسع لا تستهدف فقط إلحاق خسائر عسكرية مباشرة بطهران، وإنما تسعى إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية المتداخلة.

أول هذه الأهداف يتمثل في استهداف البنية المرتبطة بقطاع الطاقة والنفط الإيراني، باعتباره أحد أهم مصادر القوة الاقتصادية للدولة الإيرانية، وكلما زادت الضغوط على هذا القطاع الحيوي، تراجعت قدرة طهران على تمويل أنشطتها العسكرية والإقليمية.

أما الهدف الثاني فيتعلق بإضعاف القدرات العسكرية للحرس الثوري الإيراني، خصوصا في المناطق الاستراتيجية القريبة من مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة العالمية، وتسعى واشنطن من خلال ذلك إلى الحد من قدرة إيران على تهديد المصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة.

ويتمثل الهدف الثالث في زيادة الضغوط السياسية والنفسية على صانع القرار الإيراني لدفعه نحو تقديم تنازلات خلال أي مفاوضات مقبلة، الدبلوماسية القسرية تقوم أساسا على إقناع الطرف الآخر بأن تكلفة الاستمرار في المواجهة ستكون أعلى بكثير من تكلفة التوصل إلى تسوية.

أما الهدف الرابع فيرتبط بمحاولة إعادة رسم التوازنات الأمنية والاستراتيجية في الشرق الأوسط ومنع إيران من استثمار ما تعتبره مكاسب سياسية أو عسكرية حققتها خلال السنوات الأخيرة لتعزيز نفوذها الإقليمي.

غير أن السؤال الأكثر أهمية يبقى: هل تستطيع الولايات المتحدة بالفعل تحقيق هذه الأهداف؟

الإجابة ليست سهلة، لأن التجارب التاريخية تشير إلى أن نجاح الدبلوماسية القسرية يتوقف على مدى استعداد الطرف المستهدف لتقديم تنازلات، وعلى حجم الضغوط التي يستطيع تحملها. وفي الحالة الإيرانية تبدو المعادلة أكثر تعقيدا.

القيادة الإيرانية تنظر إلى الصراع الحالي باعتباره معركة تتعلق بمكانة الدولة ودورها الإقليمي ومستقبل نفوذها الاستراتيجي كما أن سنوات طويلة من العقوبات والضغوط الاقتصادية والعسكرية أسهمت في ترسيخ قناعة لدى النخبة الحاكمة بأن التراجع تحت الضغط قد تكون تكلفته السياسية أكبر من تكلفة المواجهة نفسها، ومن ثم فإن الرهان الأمريكي على إجبار إيران على القبول بشروط جديدة قد يواجه تحديات كبيرة، خاصة إذا اعتقدت طهران أن تقديم تنازلات جوهرية سيؤدي إلى إضعاف موقعها الإقليمي أو تهديد تماسكها الداخلي.

في المقابل، تدرك الولايات المتحدة أن استمرار الصراع لفترة طويلة يحمل هو الآخر مخاطر سياسية واقتصادية وأمنية، سواء على مستوى استقرار المنطقة أو على مستوى المصالح الأمريكية المباشرة، ولذلك فإن ما نشهده حاليا قد يكون أقرب إلى صراع إرادات بين طرفين يسعى كل منهما إلى فرض رؤيته لمستقبل النظام الأمني في الشرق الأوسط.

وفي النهاية، تبدو المنطقة أمام مرحلة شديدة الحساسية تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة بين واشنطن وطهران، فالقضية الحقيقية لا تتعلق فقط بوقف إطلاق النار أو إدارة أزمة آنية، وإنما بالصراع حول شكل التوازنات الإقليمية الجديدة ومن يمتلك القدرة على صياغتها وفرض قواعدها، وهنا يظل السؤال مفتوحا: هل تنجح الدبلوماسية القسرية في فرض تسوية جديدة، أم أن منطق الصمود المتبادل سيدفع الأطراف إلى جولة أطول وأكثر تعقيدا من الصراع؟

تم نسخ الرابط