رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

بنود غامضة وتنازلات مؤجلة.. هل يولد الاتفاق الأمريكي الإيراني ميتًا؟

ترامب وإدارته
ترامب وإدارته

تواجه الجهود الأمريكية الرامية إلى التوصل لاتفاق جديد مع إيران تحديات معقدة، وسط تصاعد الشكوك بشأن إمكانية نجاح التفاهمات المطروحة بين واشنطن وطهران، في ظل استمرار التوتر العسكري وإغلاق مضيق هرمز وتباعد المواقف حول البرنامج النووي الإيراني.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي بنى جزءًا كبيرًا من خطابه السياسي على رفض الانخراط في "الحروب التي لا تنتهي" في الشرق الأوسط، يجد نفسه اليوم أمام أزمة إقليمية متشابكة يصعب احتواؤها بسرعة، رغم إعلانه المتكرر أن اتفاق إنهاء الحرب مع إيران بات قريبًا من الاكتمال.

اتفاق غامض وسط تصعيد ميداني

خلال الأيام الأخيرة، تحدث ترامب عن تقدم كبير في المفاوضات المتعلقة بإنهاء المواجهة مع إيران وإعادة فتح مضيق هرمز، بينما ألمح مسؤولون إيرانيون إلى قرب التوصل إلى تفاهم لوقف العمليات العسكرية ورفع الحصار البحري الأمريكي.

لكن في المقابل، لا تزال بنود الاتفاق غير واضحة، إذ تشير المعطيات إلى استمرار الخلافات الجوهرية بين الطرفين، خصوصًا فيما يتعلق ببرنامج إيران النووي، ومستقبل تخصيب اليورانيوم، وآلية رفع العقوبات، إضافة إلى طبيعة الالتزامات الأمنية المتبادلة.

ويبدو أن هذا الغموض تحوّل سريعًا إلى أزمة ثقة، بعدما نفذت القوات الأمريكية ضربات استهدفت مواقع في جنوب إيران، ما دفع الحرس الثوري الإيراني إلى التهديد برد مباشر، الأمر الذي وضع المفاوضات ووقف إطلاق النار غير المعلن أمام اختبار صعب.

شبح “المستنقع” يعود إلى واشنطن

التطورات الحالية أعادت إلى الواجهة المخاوف الأمريكية التقليدية من الانجرار إلى صراعات طويلة في الشرق الأوسط، وهي المخاوف التي ارتبطت تاريخيًا بحربي فيتنام والعراق، ثم الحرب في أفغانستان.

داخل الكونغرس الأمريكي، تصاعد الجدل بشأن طبيعة العمليات العسكرية ضد إيران، حيث اعتبر نواب أمريكيون أن واشنطن تتجه نحو "مستنقع سياسي وعسكري"، محذرين من أن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى استنزاف اقتصادي وأمني واسع.

في المقابل، تؤكد الإدارة الأمريكية أن العمليات الحالية لا تشبه الحروب التقليدية السابقة، إذ تعتمد بشكل أساسي على الضربات الجوية والصواريخ بعيدة المدى وأنظمة الذكاء الاصطناعي، دون الحاجة إلى تدخل بري واسع.

غير أن خبراء يرون أن هذا النوع من الحروب لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية، خاصة إذا كان الطرف المقابل قادرًا على الصمود وامتصاص الضربات، وهو ما تظهره إيران حتى الآن.

“مغالطة الحرب القصيرة”

يرى محللون أن واشنطن وقعت فيما يمكن وصفه بـ"مغالطة الحرب القصيرة"، أي الاعتقاد بأن التفوق العسكري والتكنولوجي كفيل بحسم الصراع بسرعة وفرض الشروط السياسية على الخصم.

هذا التصور تكرر في عدة حروب حديثة، سواء في أوكرانيا أو في العمليات العسكرية الأمريكية بالشرق الأوسط، حيث افترضت القوى الكبرى أن استخدام القوة النارية المكثفة سيؤدي إلى انهيار الخصم خلال فترة قصيرة.

لكن التجارب الأخيرة أثبتت أن الحروب غالبًا ما تتحول إلى صراعات طويلة ومعقدة، خصوصًا عندما يكون الطرف المستهدف مستعدًا لتحمل الخسائر الاقتصادية والعسكرية مقابل الحفاظ على بقائه السياسي.

وفي الحالة الإيرانية، تبدو طهران مستعدة لتحمل ضغوط هائلة، سواء على المستوى الاقتصادي أو الأمني، طالما أن ذلك يمنع فرض شروط أمريكية تراها تمس سيادتها أو مستقبل نظامها السياسي.

إغلاق مضيق هرمز يزيد الضغوط

أحد أبرز تداعيات التصعيد الحالي يتمثل في إغلاق مضيق هرمز، الذي يعد من أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم.

هذا التطور أدى إلى اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة العالمية، مع ارتفاع المخاوف من نقص الإمدادات وارتفاع أسعار النفط، الأمر الذي انعكس مباشرة على الأسواق الدولية ومعدلات التضخم.

وترى دوائر سياسية أمريكية أن استمرار إغلاق المضيق قد يتحول إلى عبء داخلي على إدارة ترامب، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات السياسية والانتخابية، حيث يواجه البيت الأبيض ضغوطًا متزايدة بسبب ارتفاع أسعار الطاقة وتداعيات الأزمة على الاقتصاد الأمريكي.

وفي المقابل، تدرك إيران أن ورقة مضيق هرمز تمنحها قدرة كبيرة على الضغط، خاصة أن أي اضطراب طويل في حركة الملاحة البحرية سيؤثر على الاقتصاد العالمي بأكمله، وليس فقط على الولايات المتحدة.

أهداف لم تتحقق

رغم الضربات العسكرية المكثفة، تشير تقديرات عديدة إلى أن واشنطن لم تحقق حتى الآن أهدافها الرئيسية من العملية العسكرية، سواء فيما يتعلق بإضعاف النظام الإيراني أو إنهاء البرنامج النووي أو دفع طهران لتقديم تنازلات حاسمة.

بل على العكس، يبدو أن التصعيد ساهم في تعزيز نفوذ التيار المتشدد داخل إيران، حيث استغل الحرس الثوري حالة الحرب لتشديد قبضته الأمنية والسياسية.

كما أن القيادة الإيرانية تعاملت مع المواجهة باعتبارها معركة وجودية، ما جعلها أقل استعدادًا لتقديم تنازلات سريعة أو الظهور بمظهر الطرف المنهزم أمام الضغوط الأمريكية.

وفي الداخل الإيراني، ورغم الأزمة الاقتصادية الخانقة وتراجع مستوى المعيشة، لا يزال النظام قادرًا على الحفاظ على تماسكه من خلال القبضة الأمنية وتوظيف الخطاب القومي المرتبط بمواجهة الولايات المتحدة.

مأزق سياسي لترامب

المعضلة الأساسية التي تواجه ترامب حاليًا تتمثل في كيفية الخروج من الأزمة دون الظهور بمظهر المتراجع أو الفاشل سياسيًا.

فالإدارة الأمريكية تحتاج إلى إنجاز سريع يمكن تقديمه للرأي العام باعتباره انتصارًا سياسيًا وعسكريًا، سواء عبر اتفاق مع إيران أو عبر تحقيق مكاسب استراتيجية ملموسة.

لكن في المقابل، لا تبدو طهران مستعدة لمنح واشنطن هذه المكاسب بسهولة، خاصة أن أي تنازل كبير قد يُفسَّر داخليًا باعتباره رضوخًا للضغوط العسكرية الأمريكية.

كما أن استمرار الجمود الحالي يزيد من المخاطر الاقتصادية العالمية، ويضع الإدارة الأمريكية أمام ضغوط متزايدة من الداخل والخارج لإنهاء الأزمة قبل تحولها إلى مواجهة مفتوحة طويلة الأمد.

سيناريوهات المرحلة المقبلة

المؤشرات الحالية توحي بأن المنطقة تقف أمام عدة سيناريوهات محتملة، أبرزها التوصل إلى اتفاق مؤقت يخفف التصعيد دون معالجة جذور الأزمة، أو استمرار المواجهة العسكرية المحدودة لفترة أطول، أو انزلاق الوضع نحو صدام إقليمي أوسع.

وفي جميع الأحوال، تبدو فرص التوصل إلى اتفاق شامل ونهائي ما تزال معقدة، خصوصًا في ظل انعدام الثقة بين الطرفين، واستمرار الخلافات حول الملفات النووية والعسكرية والإقليمية.

وبينما تراهن واشنطن على الضغط العسكري والاقتصادي لدفع إيران نحو تقديم تنازلات، تعتقد طهران أن قدرتها على الصمود والمناورة قد تمنحها موقعًا تفاوضيًا أفضل مع مرور الوقت.

تم نسخ الرابط