عاصمة الشمس.."بنبان" بأسوان يعادل قدرات السد العالي ويكتب التاريخ بألواح الذهب الأسود
لم تعد محافظة أسوان، "بلاد الذهب"، تكتفي بتاريخها العريق ومكانتها السياحية الفريدة، بل باتت اليوم تقود ثورة حقيقية في عالم الطاقة المتجددة على مستوى الشرق الأوسط وإفريقيا. من قلب الصحراء الغربية للمحافظة، وتحديداً على بعد 35 كيلومتراً شمال غرب مدينة أسوان، تشرق "محطة بنبان للطاقة الشمسية" كواحدة من أكبر التجمعات لإنتاج الكهرباء النظيفة في العالم، لتعيد رسم مستقبلي التنمية المستدامة والأمن الكهربائي في مصر، وتؤكد تفوق العزيمة المصرية في تحويل التحديات المناخية إلى فرص استثمارية عملاقة.
مجمع بنبان الشمسي
الموقع الذي يمتد على مساحة شاسعة تقارب 37 كيلومتراً مربعاً (أي ما يعادل نحو 8843 فداناً)، لم يُختر عشوائياً، بل جاء بناءً على دراسات دقيقة وتقارير من وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" ومؤسسات علمية دولية، أكدت أن هذه البقعة من أرض أسوان هي واحدة من أكثر المناطق سطوعاً للشمس على وجه كوكب الأرض. ويضم هذا المجمع الضخم تحت لوائه نحو 40 محطة شمسية فرعية تعمل بتقنية الخلايا الكهروضوئية الحديثة، نجحت في جذب استثمارات دولية وإقليمية ومحلية ضخمة تجاوزت الملياري دولار، بمشاركة أكثر من 39 شركة عالمية ومصرية متخصصة، مما جعله نموذجاً ملهماً يحتذى به في الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وحاز بفضله على جوائز تميز رفيعة من البنك الدولي ومؤسسات الطاقة الدولية كأكثر المشاريع التنموية تميزاً عالمياً.
وتتجلى عظمة هذا المشروع في لغة الأرقام وأبعاده الفنية، حيث يضم المجمع ملايين الألواح الشمسية التي تنتج قدرات إجمالية تصل إلى حوالي 1465 ميجاوات، وهي طاقة هائلة تقترب من حافة ما ينتجه السد العالي من الكهرباء، وتكفي لإنارة أكثر من مليون منزل بمختلف محافظات الجمهورية. وضمن الرؤية التوسعية الذكية للمشروع، تم إدخال قدرات إضافية جديدة حيز التشغيل التجاري، إلى جانب توقيع اتفاقيات رائدة لتطوير قدرات أكبر مصحوبة بأنظمة بطاريات متطورة لتخزين الطاقة، وهي خطوة استراتيجية تهدف إلى تحقيق الاستقرار الشبكي وإدارة الأحمال بكفاءة تامة حتى بعد غياب أشعة الشمس ليلاً، بالتوازي مع تنسيق فني مبتكر لدمج الطاقة الشمسية من "بنبان" مع الطاقة الكهرومائية من "السد العالي" لتعظيم كفاءة التشغيل على مدار الساعة وتخفيض الانبعاثات الكربونية بمعدل مليوني طن سنوياً.
وإلى جانب المكاسب البيئية والاقتصادية غير المسبوقة، أحدث المشروع طفرة اجتماعية كبرى في عمق الريف الأسواني، إذ وفّر أكثر من 20 ألف فرصة عمل مؤقتة للشباب أثناء فترات الإنشاء والتوسعات، بالإضافة إلى نحو 6 آلاف فرصة عمل دائم في مجالات التشغيل، الصيانة، والإدارة.
ولم يتوقف الأثر التنموي عند هذا الحد، بل امتد لقطاع التعليم عبر تحويل مدرسة بنبان الثانوية الصناعية إلى أول مدرسة فنية متخصصة في علوم الطاقة الشمسية، لتخريج جيل جديد من الكوادر الفنية المؤهلة لسوق العمل الحديث. هكذا تؤكد الأجهزة التنفيذية بالتنسيق مع وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة أن أسوان لن تظل فقط حارسة التاريخ المصري القديم، بل أصبحت اليوم عاصمة العالم للطاقة النظيفة، ومحور الصعود الاقتصادي الجديد لمصر في قلب الصعيد.



