محمد دياب يكتب: خرائط ما بعد الحرب
حين تقترب الحروب من نهاياتها لا تعود الأطراف كما كانت عند بدايتها فالمعارك لا تُسدل ستارها دون أن تترك خلفها خرائط جديدة للقوة وتوازنات مغايرة تُفرض أحياناً بالقوة وأحياناً بضرورات الواقع.
المشهد الحالي يعكس توقفاً لإطلاق النار وبدء مرحلة تعيد ترتيب أوضاع الإقليم سياسياً واقتصادياً واستراتيجياً.
منذ اندلاع أحداث 7 أكتوبر 2023 خرج الصراع من إطاره الضيق ليتمدّد ويصنع مشهداً إقليمياً بالغ التعقيد تختلط فيه حسابات القوى الكبرى بطموحات اللاعبين المحليين وتفرض نتائجه نفسها على الجميع دون استثناء.
الولايات المتحدة التي دخلت المواجهة مدفوعة باعتبارات دعم إسرائيل وجدت نفسها هذه المرة في وضع مختلف عن تجارب سابقة مثل حرب العراق واشنطن دخلت المواجهة دون سند دولي كافٍ واصطدمت بانقسام واضح إلى جانب استهداف مباشر لقواعدها ما يعكس تراجع قدرتها على التحرك منفردة كما في السابق.. هذه الحرب كشفت حدود القوة الأمريكية حين لا تُسنَد بشرعية دولية واسعة.
أما إسرائيل فقد تلقت صدمة تتجاوز حدود الخسائر العسكرية. فالصواريخ التي طالت عمقها كسرت صورة "التفوق المطلق" وأعادت طرح سؤال الأمن من جديد. المشروع الذي روّج له بنيامين نتنياهو لإعادة تشكيل الشرق الأوسط اصطدم بواقع أكثر تعقيداً يفرض على تل أبيب مراجعة عميقة لنهجها.
لم يعد ممكناً الاستمرار في منطق القوة وحده خاصة وأن استمرارها كان ولا يزال مرهوناً بالدعم الأمريكي. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تحول حقيقي نحو مسار سياسي يضمن الاستقرار وفي مقدمه إقامة دولة فلسطينية كمدخل رئيسي لأي سلام مستدام وهي الرؤية التي تطرحها القاهرة باعتبارها الضامن الوحيد لتوازن طويل الأمد.
في المقابل لم تخرج إيران من المواجهة دون كلفة. الخطاب الذي طالما تحدث عن القدرة على الردع الشامل اصطدم باختبارات قاسية تمثلت في ضربات نوعية واغتيالات طالت مستويات قيادية حساسة ما كشف عن ثغرات أمنية عميقة. تفرض هذه المتغيرات على طهران مراجعة عميقة تشمل توجهاتها الخارجية وطبيعة خطابها الداخلي على حد سواء. فمرحلة ما بعد الحرب لن تحتمل استمرار التعبئة التقليدية في ظل ضغوط اقتصادية واجتماعية متصاعدة ما يفتح الباب أمام احتمالات الانفتاح وإعادة ترتيب الأولويات.
ولا يمكن فصل هذا المشهد عن وضع القوى المرتبطة بإيران في المنطقة مثل حزب الله والحوثيين حيث تبدو هذه التنظيمات أمام مفترق طرق. المرحلة المقبلة قد تفرض عليها التحول من أدوار إقليمية مفتوحة إلى أطر محلية أكثر انضباطاً ضمن ترتيبات جديدة تُعيد تعريف موقعها ووظيفتها داخل دولها بدلاً من بقائها كأذرع ممتدة في صراعات أوسع.
في السياق ذاته، تدرك الدول العربية خاصة في الخليج أن استمرار حالة الاستقطاب لم يعد خياراً ممكناً. فالحرب الأخيرة سرعت من الحاجة إلى إعادة بناء نظام إقليمي قائم على التوازن لا الصدام وعلى الشراكة لا الصراع. وهو ما يعني أن المنطقة مقبلة على مرحلة إعادة صياغة شاملة تُعيد ترتيب العلاقات وتضع أسساً مختلفة للتعايش.
النتيجة أن زمن ما بعد الحرب يختلف جذرياً عما سبقه ويؤسس لمسار جديد. فالجميع خرج بخسائر متفاوتة لكن الأهم أن الجميع أصبح مضطراً لإعادة الحسابات. إنها لحظة إعادة تعريف للأدوار.
اعتقد انه انتهى عملياً زمن الانفراد بالقوة أو فرض الإرادة الأحادية وبات التوازن هو اللغة الوحيدة القادرة على ضبط استقرار إقليم يتغير.