رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

اللواء د. رضا فرحات يكتب: ترامب والكونغرس.. هل بدأت التصدعات داخل الحزب الجمهوري؟

فرحات
فرحات

لم يكن تصويت مجلس النواب الأمريكي على قرار يقيد صلاحيات الرئيس دونالد ترامب بشأن الحرب على إيران مجرد مواجهة تقليدية بين الديمقراطيين والجمهوريين، بل عكس مستوى أعمق من الانقسام داخل البنية السياسية الأمريكية، يمتد هذه المرة إلى داخل الحزب الجمهوري نفسه، وتزداد أهمية هذا التطور بالنظر إلى توقيته والسياق السياسي الذي يأتي فيه، بما يجعل دلالاته أبعد من مجرد خلاف تشريعي عابر.

على الرغم من أن القرار لا يبدو مرشحا لإحداث أثر مباشر وحاسم في المدى القريب، في ظل التعقيدات الدستورية وإمكانية تعطيله في مجلس الشيوخ أو استخدام الرئيس لحق النقض، فإن قيمته السياسية تكمن في الرسالة التي يوجهها الكونغرس إلى البيت الأبيض بشأن حدود استخدام القوة العسكرية، والأهم من ذلك أن انضمام عدد من النواب الجمهوريين إلى الديمقراطيين في التصويت لصالح القرار يعكس تباينا داخل الحزب الحاكم حول إدارة ملف شديد الحساسية مثل الحرب على إيران، وحول حدود التفويض الممنوح للرئيس في القضايا العسكرية.


وبالنظر إلى رد فعل الرئيس ترامب فإنه أضاف بعدا أكثر حساسية للأزمة فبدلا من الاكتفاء برفض القرار أو مهاجمته من زاوية دستورية أو سياسية، اتجه إلى وصف مواقف النواب المعارضين له بأنها "غير وطنية" وهذه النقلة في الخطاب السياسي لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد انفعال سياسي، بل هي مؤشر على تحول أوسع في طبيعة الخطاب العام داخل الولايات المتحدة، حيث تتراجع مساحة الاختلاف المشروع في الرأي لصالح خطاب يميل إلى التشكيك في الانتماء الوطني للخصوم السياسيين.

وهنا تبرز الإشكالية الأساسية في المشهد السياسي الأمريكي الراهن، فالديمقراطية، في جوهرها، لا تقوم على توحيد المواقف، وإنما على إدارة الاختلاف داخل إطار مؤسسي يحترم حق المعارضة ويعترف بشرعية التعدد السياسي، وعندما يعاد تعريف الخلاف السياسي باعتباره مساسا بالوطنية، فإن ذلك يهدد أحد أهم الأسس التي استقرت عليها التجربة الديمقراطية الأمريكية عبر عقود طويلة.

اللافت في هذه التطورات أن المعارضة لسياسات ترامب لم تأت من الديمقراطيين وحدهم، بل امتدت إلى داخل الحزب الجمهوري نفسه، وهو ما يعكس وجود تيار متزايد داخل الحزب يعيد النظر في جدوى الانخراط في حروب خارجية طويلة الأمد، وما تفرضه من أعباء مالية واستراتيجية وسياسية على الدولة الأمريكية، هذا التيار لا يعبر بالضرورة عن قطيعة مع الرئيس، بقدر ما يعكس اختلافا في تقدير المصالح الوطنية وحدود استخدام القوة العسكرية في السياسة الخارجية.

وفي المقابل، فإن طريقة تعامل ترامب مع هذا التباين الداخلي قد تسهم في تعميق الفجوة بدلا من احتوائها ، الأحزاب السياسية الكبرى بطبيعتها تضم اتجاهات متعددة، وإدارة هذا التنوع تتطلب قدرا عاليا من المرونة السياسية، لا التصعيد أو توسيع دائرة الاتهام، ومن هنا فإن الخطاب الذي يصنف المعارضين ضمن دائرة "غير الوطنيين" قد يؤدي إلى نتائج عكسية، عبر دفع مزيد من الأصوات داخل الحزب الجمهوري إلى إعادة التموضع أو التعبير العلني عن تحفظاتها.

كما تعكس هذه الأزمة مظهرا أوسع من التحولات التي تشهدها السياسة الأمريكية خلال السنوات الأخيرة، حيث يتصاعد الاستقطاب السياسي إلى مستويات غير مسبوقة، وتتراجع المساحات المشتركة بين الحزبين الرئيسيين، ولم يعد الخلاف يقتصر على السياسات العامة أو الأولويات الاقتصادية، بل امتد ليشمل الخطاب السياسي ذاته، وطبيعة العلاقة بين السلطة والمعارضة داخل النظام السياسي.

ومن زاوية أخرى، يكشف التصويت عن تحول مهم في المزاج السياسي داخل الولايات المتحدة تجاه قضايا التدخل العسكري الخارجي، فبعد سنوات طويلة من الانخراط في حروب مكلفة في أكثر من منطقة، باتت قطاعات واسعة داخل الكونغرس والرأي العام الأمريكي تميل إلى إعادة تقييم هذا الدور، والتركيز بشكل أكبر على القضايا الداخلية المرتبطة بالاقتصاد والبنية التحتية والاستقرار الاجتماعي.

وفي هذا الإطار، يمكن فهم القرار باعتباره جزءا من نقاش أوسع حول حدود القوة الأمريكية في العالم، وليس مجرد موقف لحظي من إدارة عسكرية أو صراع مع إيران وهو نقاش مرشح للاستمرار والتصاعد خلال الفترة المقبلة، خاصة في ظل التغيرات المتسارعة في النظام الدولي وتزايد الضغوط الداخلية على صناع القرار في واشنطن.

في المحصلة، يتجاوز ما يجري في الكونغرس حدود الجدل التشريعي التقليدي، ليعكس اختبارا حقيقيا لقدرة النظام السياسي الأمريكي على إدارة خلافاته الداخلية ضمن الأطر الديمقراطية المستقرة، أما ردود الفعل الحادة التي أعقبت التصويت، فإنها تكشف أن التوتر داخل الحزب الجمهوري لم يعد مجرد احتمال، بل أصبح واقعا سياسيا يتطلب إدارة دقيقة لتجنب تحوله إلى انقسام أعمق يصعب احتواؤه لاحقا.

تم نسخ الرابط