حين تصبح الجودة قرار.. ماذا تغير في خريطة الرعاية الصحية بمصر؟
في عالمٍ تتسارع فيه التحولات، لم تعد الرعاية الصحية مجرّد خدمة تُقدَّم عند المرض، فالجودة في الطب لم تعد ترفًا تنظيميًا أو شعارًا إداريًا، وإنما التزامًا أخلاقيًا يعكس وعي الدولة بمسؤوليتها تجاه مواطنيها.

من ردّ الفعل إلى الفعل
ومن هذا المنطلق، يكتسب اعتماد المنشآت الصحية دلالة تتجاوز حدود الإجراءات الفنية والتقارير الرقابية، ليصبح إعلانًا ضمنيًا عن تحول في فلسفة تقديم الرعاية الصحية؛ تحولٍ ينتقل من منطق الكم إلى منطق القيمة، ومن ردّ الفعل إلى الفعل الاستباقي، ومن الاجتهاد الفردي إلى العمل المؤسسي المنضبط. فحين تخضع المستشفيات ووحدات الرعاية لمعايير دقيقة معترف بها دوليًا، فإنها لا تُقاس فقط بعدد الأسرة أو الأجهزة، بل بمدى قدرتها على صون حياة الإنسان، واحترام كرامته، وضمان سلامته في أدق التفاصيل.
في هذا السياق، وفي تطور يعكس تسارع خطوات الدولة نحو الارتقاء بمستوى الرعاية الصحية، أعلنت الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية عن صدور حزمة جديدة من قرارات الاعتماد الكامل، والاعتماد المبدئي، وتجديد الاعتماد لعدد 16 منشأة صحية موزعة على مختلف محافظات الجمهورية، وذلك وفقًا لمعايير الجودة الوطنية الصادرة عن الهيئة والمعتمدة دوليًا، في خطوة تؤكد اتساع نطاق تطبيق نظم الجودة وسلامة المرضى داخل المنظومة الصحية المصرية.

وتأتي هذه القرارات تتويجًا لعمليات تقييم فني وإداري دقيقة، خضعت لها المنشآت المتقدمة للاعتماد، بعد استيفائها المتطلبات والمعايير المحددة، بما يمثل إعلانًا رسميًا عن نتائج أعمال اللجنة العليا لاعتماد المنشآت الصحية خلال اجتماعها الدوري.
مسارات نحو الجودة
تعتمد منظومة الاعتماد على ثلاثة مسارات رئيسية، تشمل الاعتماد الكامل للمنشآت التي أثبتت التزامًا شاملًا ومستدامًا بمعايير الجودة وسلامة المرضى.
بالإضافة إلى الاعتماد المبدئي للمنشآت التي اجتازت التقييم الأولي وبدأت فعليًا في تطبيق المعايير، تمهيدًا للحصول على الاعتماد الكامل.
وكذا تجديد الاعتماد للمنشآت التي سبق اعتمادها، بعد التأكد من حفاظها على مستوى الأداء المطلوب واستمرارية تطبيق نظم الجودة.
وأكد رئيس الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية أن الاعتماد لا يُمنح باعتباره إجراءً شكليًا، بل هو اعتراف مؤسسي بقدرة المنشأة على تقديم خدمة صحية آمنة، قائمة على بروتوكولات واضحة، وإدارة مخاطر فعالة، ونظم متابعة وتقييم مستمرة.
وأوضح أن الاعتماد المبدئي يمثل مرحلة انتقالية مهمة، تساعد المنشآت على سد الفجوات وتحسين الأداء، بينما يعكس تجديد الاعتماد مدى ترسخ ثقافة الجودة داخل المؤسسة الصحية.

المستشفيات الجامعية
وفي ذلك الصدد شهدت قرارات الاعتماد الأخيرة توسعًا ملحوظًا في اعتماد المستشفيات الجامعية، حيث حصل مستشفى معهد الكبد القومي بمحافظة المنوفية على الاعتماد الكامل بعد اجتياز مرحلة الاعتماد المبدئي بنجاح، وهو ما يعكس تكامل جودة الخدمة العلاجية مع منظومة التعليم الطبي والتدريب الإكلينيكي.
كما حصل مستشفى الكلى والمسالك البولية الجامعي بمحافظة المنيا على الاعتماد المبدئي، ليرتفع بذلك عدد المستشفيات الجامعية الحاصلة على الاعتماد إلى 15 مستشفى جامعيًا، في مؤشر واضح على تصاعد دور القطاع الجامعي كأحد أعمدة النظام الصحي، ليس فقط في تقديم الخدمة، بل في إعداد الكوادر الطبية المؤهلة وفقًا لأحدث المعايير.
التوسع الجغرافي
فيما تعكس خريطة الاعتماد الجديدة نموًا متوازنًا من حيث التوزيع الجغرافي وتنوع القطاعات، إذ شملت منشآت حكومية، وجامعية، وتابعة لهيئة الرعاية الصحية، وكذا خاصة وأهلية
وهو ما يؤكد أن تطبيق معايير الجودة لم يعد قاصرًا على نوع بعينه من المنشآت، بل أصبح إطارًا حاكمًا لمنظومة الرعاية الصحية بكامل مكوناتها.

وفي هذا السياق، حظي قطاع الرعاية الصحية الأولية باهتمام خاص، من خلال اعتماد وتجديد اعتماد عدد من وحدات ومراكز طب الأسرة في محافظات من بينها أسوان والإسماعيلية، بما يعزز دور هذا القطاع كخط الدفاع الأول في تقديم الخدمات الصحية، وتحقيق العدالة في الوصول إلى الخدمة.
القطاع الخاص
فيما لم تغب منشآت القطاع الصحي الخاص عن قرارات الاعتماد، حيث شملت القائمة عددًا من العيادات والمنشآت الخاصة في محافظات مثل الإسكندرية، والإسماعيلية، والغربية، في دلالة على تنامي وعي القطاع الخاص بأهمية الالتزام بمعايير الجودة وسلامة المرضى، وحرصه على مواكبة التحول المؤسسي الذي تشهده المنظومة الصحية.
ويُنظر إلى مشاركة القطاع الخاص في منظومة الاعتماد باعتبارها عاملًا داعمًا للتنافس الإيجابي، وتحسين تجربة المريض، وتوفير خدمات صحية آمنة وموثوقة.
مستشفى الطوارئ بالإسماعيلية
تضمنت القرارات أيضًا تجديد اعتماد منشآت تابعة لهيئة الرعاية الصحية، من بينها مستشفى الطوارئ والجراحات الدقيقة بأبو خليفة بمحافظة الإسماعيلية، وهو ما يعكس استمرارية الالتزام بمعايير الجودة داخل المنشآت المنضمة لمنظومة التأمين الصحي الشامل.
ويُعد تجديد الاعتماد مؤشرًا مهمًا على استدامة الأداء المؤسسي، وقدرة المنشأة على الحفاظ على مستوى الخدمة رغم ضغوط التشغيل وتزايد أعداد المستفيدين.
معايير وطنية
تؤكد الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية أن المعايير الوطنية المصرية معتمدة دوليًا، ومُعدة وفق أفضل الممارسات العالمية في مجالات سلامة المرضى، مكافحة العدوى، إدارة المخاطر، وكذا حقوق المرضى، بالإضافة إلى الحوكمة الإكلينيكية.
وهو ما يمنح المنشآت المعتمدة ميزة تنافسية، ويرفع من مستوى الثقة المجتمعية في الخدمات المقدمة، فضلًا عن دعم توجه الدولة نحو مواءمة نظامها الصحي مع النظم العالمية المتقدمة.

الاعتماد كأداة إصلاح
في هذا السياق، شدد رئيس الهيئة على أن الاعتماد ليس غاية في حد ذاته، ولا يقتصر على شهادة تُعلّق داخل أروقة المنشآت، بل هو نظام عمل ديناميكي يتطلب تحديثًا مستمرًا، وتدريبًا للكوادر، ومراجعة دورية للأداء، بما يضمن التحسين المستدام وتقليل الأخطاء الطبية.
التأمين الصحي الشامل
يكتسب هذا التوسع في الاعتماد أهمية مضاعفة في ظل تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل، التي تشترط حصول المنشآت على الاعتماد للانضمام إلى النظام. وبذلك أصبحت معايير الجودة بوابة العبور الأساسية أمام مقدمي الخدمة، وأداة فعالة لضبط الأداء وتحسين كفاءة الإنفاق الصحي.
تحولًا بفلسفة إدارة الرعاية الصحية
يعكس اعتماد 16 منشأة صحية جديدة تحولًا نوعيًا في فلسفة إدارة الرعاية الصحية في مصر، يقوم على الجودة، والمساءلة، وسلامة المريض، بدلًا من الاكتفاء بالتوسع الكمي. ومع اتساع خريطة الاعتماد، تتجه المنظومة الصحية بثبات نحو نموذج أكثر كفاءة وعدالة واستدامة.



