دكتورة أمل منصور تكتب: لماذا نتأقلم مع من يؤلمنا؟
نسأل أنفسنا هذا السؤال بصدق في لحظات صفاء نادرة، ثم نعود فنغلقه داخل درج العقل، كأنه سؤال يفضحنا أكثر مما يفسرنا. لماذا نبقى قريبين ممن يوجعنا؟ لماذا نستمر في علاقات نعرف في أعماقنا أنها تستنزفنا؟ لماذا نبرر الألم، ونصنع له أعذارًا، ونتعامل معه كأنه ثمن طبيعي للحب أو القرب أو العِشرة؟
التأقلم مع الألم لا يبدأ فجأة، بل يتسلل بخطوات صغيرة لا ننتبه لها. يبدأ بتنازل بسيط نراه مؤقتًا، ثم بصمت نبرره بالحكمة، ثم بتجاوز نُسميه نضجًا، ثم بتناسي احتياج نُطلق عليه تضحية. ومع كل خطوة، نخسر جزءًا من صوتنا الداخلي الذي كان يقول لنا: هذا يؤلمك، وهذا لا يشبهك، وهذا لا يليق بك.
أحد الأسباب العميقة لهذا التأقلم هو الخوف. الخوف من الفقد، من الوحدة، من الفراغ الذي يتركه الآخر إن رحل. كثيرون لا يخافون الشخص بقدر ما يخافون غيابه، لا يتمسكون بالعلاقة بقدر ما يتمسكون بما تمثله لهم من أمان مؤقت، حتى لو كان أمانًا هشًا. الألم المألوف يبدو أهون من مجهول لا نعرف ملامحه، فنختار ما نعرفه حتى لو كان موجعًا.
وهناك سبب آخر أكثر خفاءً، يتعلق بالصورة التي نكونها عن أنفسنا داخل العلاقة. بعض العلاقات تمنحنا شعورًا بأننا ضروريون، حتى لو كنا متألمين. نشعر أننا الطرف الصابر، المتفهم، الذي يتحمل أكثر مما ينبغي. هذه الصورة قد تُرضي احتياجًا داخليًا للتقدير، حتى لو كان تقديرًا زائفًا. نُقنع أنفسنا أن قدرتنا على التحمل دليل قوة، بينما الحقيقة أنها أحيانًا دليل خوف من الاعتراف بأننا نستحق أفضل.
التأقلم أيضًا قد يكون نتيجة تربية عاطفية غير مكتملة. من نشأوا على فكرة أن الحب يعني التضحية الدائمة، وأن العلاقة الناجحة تتطلب صبرًا بلا حدود، قد يخلطون بين الصبر والاستنزاف. لم يتعلموا الفارق بين احتواء الآخر وإلغاء الذات، ولا بين الخلاف الصحي والأذى المتكرر. لذلك يتأقلمون، لا لأنهم مرتاحون، بل لأنهم لم يتعلموا نموذجًا آخر للعلاقة.
وفي أحيان كثيرة، نعتاد الألم لأنه يتسلل ببطء. لا يأتي دفعة واحدة كي نرفضه بوضوح، بل يأتي متدرجًا. كلمة جارحة هنا، تجاهل هناك، تقليل بسيط، وعود لا تُنفذ. كل موقف يبدو وحده غير كافٍ للرحيل، لكن تراكمها يصنع علاقة مثقلة بالتعب. ومع الوقت، يصبح الألم هو الطبيعي، وتصبح الراحة غريبة، بل مقلقة.
ولا يمكن تجاهل دور التعلق العاطفي. التعلق يجعلنا نربط قيمتنا بوجود الآخر، فنشعر أن رحيله يعني فقدان جزء من أنفسنا. نتحمل الإيذاء لأننا نخشى أن نُثبت لأنفسنا أننا أخطأنا الاختيار، أو لأننا استثمرنا الكثير من المشاعر والوقت، فنخاف أن نغادر خاليي الوفاض. نُفضل الاستمرار في علاقة مؤلمة على الاعتراف بأننا أخطأنا التقدير.
أحيانًا نتأقلم لأننا نعيش على أمل التغيير. نرى في الآخر نسخة نتمنى أن تظهر، لا النسخة التي نتعامل معها فعليًا. نتمسك بلحظات قليلة جيدة، ونبني عليها قصة كاملة، ونتجاهل واقعًا يكرر ألمه بلا اعتذار حقيقي. الأمل غير الواقعي يصبح فخًا، يجعلنا نبرر كل ما يؤذينا انتظارًا لنسخة قد لا تأتي.
ومن المؤلم أيضًا أن بعضنا يتأقلم لأنه لا يرى نفسه مستحقًا لعلاقة صحية. التجارب السابقة، الخذلان المتكرر، أو النقد الدائم قد تزرع داخلنا شعورًا خفيًا بعدم الكفاية. فنقبل بما هو أقل، ونقنع أنفسنا أن هذا هو الحد الأقصى الممكن. الألم يصبح مألوفًا لأننا لم نختبر بديله.
لكن الحقيقة التي لا مفر منها أن التأقلم مع من يؤلمنا لا يعني أننا أقوياء دائمًا، بل قد يعني أننا تجاهلنا أنفسنا طويلًا. الألم الذي نتعايش معه لا يختفي، بل يتراكم، ويتحول مع الوقت إلى برود، أو غضب صامت، أو فراغ داخلي. العلاقة التي تقوم على التحمل فقط، دون احترام وطمأنينة، تترك أثرًا أعمق مما نظن.
الخروج من هذا التأقلم لا يبدأ بقرار قاطع دائمًا، بل يبدأ بالوعي. وعي بأن الألم ليس قدرًا، وأن الحب لا يُقاس بكم ما نتحمله، وأن العلاقات وُجدت لتضيف إلى حياتنا لا لتستنزفها. يبدأ بأن نسأل أنفسنا بصدق: هل ما أعيشه يقربني من نفسي أم يبعدني عنها؟ هل هذا القرب يجعلني أفضل أم أكثر تعبًا؟
ولكي لا نقع مرة أخرى في فخ التأقلم مع من يؤلمنا، نحتاج أن نُعيد تعريف مفاهيم كثيرة داخلنا. أن نُدرك أن الصبر لا يعني الصمت الدائم، وأن الاحتواء لا يعني قبول الإهانة، وأن الخوف من الوحدة لا يجب أن يكون مبررًا للبقاء في علاقة تُضعفنا. من المهم أن نصغي جيدًا لمشاعرنا الأولى قبل أن نعتادها، وأن نأخذ انزعاجنا على محمل الجد لا أن نقلل منه. علينا أن نضع حدودًا واضحة، لا كتهديد ولا كعقاب، بل كاحترام للذات. أن نتعلم قول لا دون شعور بالذنب، وأن نميز بين الخطأ العابر والنمط المتكرر. من الضروري أيضًا أن نُراجع أسباب تعلقنا، وأن نسأل أنفسنا إن كنا نحب الشخص ذاته أم نحب الشعور الذي يمنحه لنا، أو الدور الذي نؤديه معه. الدعم الخارجي، سواء من صديق واعٍ أو مختص نفسي، قد يكون فارقًا في كسر دائرة التبرير. والأهم من كل ذلك أن نُذكر أنفسنا باستمرار أن العلاقة الصحية لا تجعلنا نشك في قيمتنا، ولا تطلب منا أن نُطفئ أجزاءً منا كي تستمر. حين نضع أنفسنا في المرتبة التي تليق بنا، يصبح الابتعاد عن الألم اختيارًا واعيًا لا خسارة، ونكتشف أن السلام الداخلي أثمن من أي علاقة تُبنى على وجع اعتدنا تحمله أكثر مما ينبغي.


