رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

دكتورة أمل منصور تكتب: زواج على ميزان مائل

دكتورة أمل منصور
دكتورة أمل منصور

الزواج لا ينهار لأن الحب انتهى فجأة، ولا لأن الخلافات ظهرت من العدم، بل لأنه في كثير من الأحيان بُني منذ البداية على ميزان مائل. عدم التكافؤ بين الزوجين ليس تفصيلاً يمكن تجاوزه بالصبر أو النوايا الحسنة، بل هو خلل بنيوي يتسلل ببطء إلى العلاقة، ثم يتحول مع الوقت إلى سبب مباشر للطلاق، حتى لو لم يُذكر اسمه صراحة في أوراق الانفصال.

عدم التكافؤ لا يعني فقط الفارق المادي كما يظن البعض، رغم أن المال يظل عاملًا مؤثرًا. هو أوسع وأعمق من ذلك بكثير. هو الفارق في الوعي، في النضج النفسي، في القيم، في طريقة التفكير، وفي تصور كل طرف لمعنى الزواج نفسه. قد يجتمع شخص يرى الزواج شراكة ومسؤولية مع آخر يراه امتيازًا أو عبئًا أو مجرد مرحلة اجتماعية لا بد منها. في هذه اللحظة، لا يكون الزواج قد بدأ فعليًا، بل بدأت معركة صامتة.

المشكلة أن عدم التكافؤ لا يظهر غالبًا في فترة الخطوبة، لأن الجميع يكون في أفضل نسخة من نفسه. الكلمات محسوبة، والتنازلات سهلة، والاختلافات مؤجلة تحت مسمى «المهم نحب بعض». لكن بعد الزواج، تسقط الأقنعة تدريجيًا، ويبدأ كل طرف في التصرف وفق طبيعته الحقيقية، وهنا يظهر الميل في الميزان. طرف يعطي أكثر مما يحتمل، وطرف يأخذ أكثر مما يشعر، وطرف يبرر وطرف يتألم.

في زواج غير متكافئ، يصبح الحوار مرهقًا. ليس لأن الطرفين لا يتحدثان، بل لأنهما لا يفهمان اللغة نفسها. ما يعتبره أحدهما مشكلة جوهرية، يراه الآخر أمرًا ثانويًا. ما يراه أحدهما إهمالًا، يراه الآخر مساحة شخصية. ومع تكرار هذا الاصطدام، يشعر أحد الطرفين – وغالبًا الأعمق وعيًا – بأنه وحيد داخل العلاقة، وكأن الزواج لم يكن مشاركة بقدر ما كان عبئًا إضافيًا.

عدم التكافؤ العاطفي تحديدًا من أخطر أشكاله. أن يكون أحد الزوجين قادرًا على التعبير عن مشاعره، وعلى الاحتواء، وعلى رؤية الطرف الآخر، بينما يقف الآخر عاجزًا أو غير مهتم أو متحفظًا إلى درجة البرود. هنا لا يحدث الطلاق فجأة، بل يحدث التآكل. تتآكل الرغبة في الكلام، ثم الرغبة في المشاركة، ثم الرغبة في البقاء أصلًا.

أما عدم التكافؤ الفكري، فيخلق فجوة أوسع مع الوقت. لأن الأفكار لا تثبت، والإنسان ينمو، ومن لا يستطيع مواكبة هذا النمو يصبح عبئًا على العلاقة. أحدهما يتطور، يقرأ، يسأل، يشكك، يحاول الفهم، والآخر يصر على الثبات، على القوالب الجاهزة، على الإجابات السهلة. ومع الوقت، يشعر الطرف المتقدم أنه يسحب العلاقة وحده، بينما يشعر الطرف الآخر بالتهديد أو النقص أو الرفض.

وفي كثير من حالات الطلاق، لا يكون السبب المعلن هو عدم التكافؤ، بل تتصدر المشهد عناوين أخرى: خيانة، إهمال، عنف، تدخل الأهل. لكن عند التفكيك الحقيقي، نجد أن الجذر واحد. زواج لم يقم على أرض متوازنة. شراكة لم تُبنَ على وعي مشترك، بل على استعجال، أو ضغط اجتماعي، أو خوف من الوحدة، أو وهم الحب وحده.

المجتمع يساهم بشكل غير مباشر في تعميق هذه الأزمة. لأنه يركز على الشكل أكثر من الجوهر، وعلى الاستقرار الظاهري أكثر من الصحة النفسية. يُشجع على الزواج بأي ثمن، ويُدين الطلاق دون أن يسأل: هل كان هذا الزواج متكافئًا من الأساس؟ هل كان عادلاً للطرفين؟ أم كان مجرد اتفاق اجتماعي طويل الأمد؟

الطلاق في هذه الحالات لا يكون فشلًا، بقدر ما يكون نتيجة منطقية لمسار خاطئ. أحيانًا يكون الطلاق هو التصحيح المتأخر لقرار لم يُدرس بعمق. وهو، رغم قسوته، أقل ضررًا من استمرار زواج يستنزف أحد الطرفين نفسيًا ويُفرغ الآخر عاطفيًا.

الوعي بعدم التكافؤ لا يجب أن يأتي بعد الزواج، بل قبله. في الأسئلة الصعبة التي نخشى طرحها، في الاختلافات التي نُسكتها بحجة الحب، وفي العلامات الصغيرة التي نتجاهلها لأننا نريد أن نكمل الطريق. الحب مهم، لكنه ليس كافيًا. والنية الطيبة لا تُصلح ميزانًا مائلًا.

الزواج المتوازن لا يعني التطابق، بل القدرة على الالتقاء في منتصف الطريق. أما الزواج غير المتكافئ، فمهما طال، يظل قائمًا على ميل خفي، إلى أن يأتي اليوم الذي لا يعود فيه أحد قادرًا على حمل الكفة وحده.

تم نسخ الرابط