دكتورة أمل منصور تكتب: العتبة التي تتعثر عندها معظم العلاقات
هناك لحظة غير مرئية في كل علاقة، لحظة لا يصنعها حدث جلل ولا خلاف صاخب، بل تصنعها التفاصيل الصغيرة التي تتراكم بصمت. لحظة تشبه عتبة منخفضة أمام بابٍ واسع؛ تبدو سهلة العبور، لكنها تكشف الحقيقة المؤلمة: أن التعثر لا يحدث بسبب ارتفاع العتبة، بل بسبب أن القدم لم تعد حريصة على الخطوة.
معظم العلاقات لا تنكسر بضربة واحدة، بل تُفقد ببطء. يبدأ كل شيء من نقطة بسيطة: كلمة لا تُقال، شعور لا يُشرح، غصّة تُخفى، توقع يُهمَل، وجرح صغير يمر مرور الكرام. ومع كل تفصيلة مهملة يصبح الطريق زلقًا، والقلب أثقل، والمسافة بين الطرفين أكبر، إلى أن يجد كل منهما نفسه أمام تلك العتبة التي تتعثر عندها العلاقات.
تلك العتبة ليست خيانة، ولا غيابًا، ولا تغيّرًا مفاجئًا في المشاعر. بل هي أخطر من ذلك: هي اللامبالاة التي تتسلل تدريجيًا ثم تستقر مثل ضيف لا يريد الرحيل. البداية تكون بعبارة "ليس الآن"، تليها "غدًا"، ثم تتحول إلى صمت لا يعرف أحد كيف بدأ، ولا كيف صار جزءًا من اليوم.
يبدأ الشريك بالتوقف عن شرح ما يزعجه لأنه يخشى أن يُساء فهمه، أو لأنه يظن أن الطرف الآخر يعرف كل شيء دون أن يقال. تبدأ الشريكة بكتمان ما يحزنها لأنها تخشى أن تُتهم بالمبالغة. كِلَا الطرفين يتراجع خطوة صغيرة، ثم أخرى، ثم يعتاد المسافة الجديدة. ومع الوقت يصبح الاقتراب مجهدًا، والبوح مخاطرة، والحديث العادي نوعًا من رفع العبء أكثر منه مشاركة.
العتبة التي تتعثر عندها العلاقات ليست خلافًا كبيرًا، بل لحظة إدراك أن الطرف الآخر لم يعد كما كان. ليس لأنه تغيّر، بل لأنه تَعِب. التعب لا يُرى، لكنه يُشعر: في الصوت، في الاستجابة، في الاهتمام. التعب الذي يجعل الحوار ثقيلًا، والعتاب مرهقًا، والانتظار أطول مما يجب.
وعندما تتعثر العلاقة عند تلك العتبة، يبدأ كل طرف في تبرير صمته:
هي تقول إن الحديث أصبح بلا جدوى، وهو يقول إن كثرة الأسئلة ترهقه.
هو يعتقد أنها لم تعد تفهمه، وهي تعتقد أنه لم يعد يبذل جهدًا لفهمها.
كل منهما يشعر بالألم ذاته، لكنهما يتصرفان كخصمين لا يجرؤان على إعلان هدنة.
وتُخلق فجوة صامتة داخل البيت، لا يسمعها أحد، لكنها تتسع.
الضحكات تقلّ.
الأسئلة تصبح قصيرة.
الردود تُختصر.
اللقاء يتحول إلى وجود شكلي، والمشاعر تتحول إلى واجب.
العتبة التي تتعثر عندها العلاقات تُبنى من أشياء بسيطة:
– انتظار لم يكتمل.
– مبادرة لم تُقدَّر.
– جرح لم يُعالَج.
– نظرة لم تُفهَم.
– شعور لم يجد طريقه إلى الكلام.
وعندما تصل العلاقة إلى تلك النقطة، يبدأ الشريكان في مقارنة الواقع بالبدايات؛ فيشعر كل منهما أن "الرومانسية" اختفت، وأن "الاهتمام" تراجع. لكن الحقيقة أن الاهتمام لم يختفِ، بل تغيّر شكله، وربما يحتاج لمن يراه لا لمن ينتظره.
المشكلة أن أغلب العلاقات تتعثر لأن أحدهما يتوقع أن يفهمه الآخر دون أن يشرح، وأن يُقدّر الآخر ما يشعر به دون أن يطلب، وأن يُعيد الآخر ترميم ما تهدم دون أن يحدد ما تهدم أصلًا. وكأن العلاقة كائن خارق يستطيع قراءة ما بين السطور طوال الوقت.
المؤسف أن معظم العلاقات تنتهي ليس بسبب خسارة الحب، بل بسبب تراكم ما لم يُقَل. الصراحة ليست أكثر ما ينقذ العلاقات، بل الشجاعة التي تسبق الصراحة: شجاعة الاعتراف بالألم، وشجاعة الاعتراف بالاحتياج، وشجاعة الاعتراف بأن الطرف الآخر لا يزال مهمًا رغم كل التعب.
العتبة الحقيقية التي تتعثر عندها العلاقات هي الخوف من المواجهة. الخوف من أن نقول:
– "لم أعد أشعر بالطمأنينة."
– "أحتاج دعمًا أكثر."
– "جرحتني دون أن تقصد."
– "أنا خائف من المسافة التي تكبر بيننا."
العلاقة لا تتعثر من أول خلاف، ولا من أول صمت، بل من أول مرة يعتقد فيها أحدهما أن الطرف الآخر لن يفهمه، فيقرر أن يصمت.
والعلاقات التي تنجو ليست تلك التي لا تتعثر، بل تلك التي يمتلك طرفاها القدرة على العودة. القدرة على التوقف والقول: "هنا حدث الشرخ… فلنصلحه معًا". القدرة على الاعتراف بأن لكل علاقة منطقة خطرة، وأن تخطيها يحتاج إلى وعي لا إلى حب فقط.
الوعي بأن العلاقة ليست ساحة صراع، ولا ميدانًا لقياس الأخطاء، بل مساحة آمنة تُفتح فيها القلوب دون خوف من الاتهام. الوعي بأن التعب لا يعني نقص الحب، وأن الصمت لا يعني نهاية المشاعر، وأن البُعد لا يعني رغبة في الرحيل. أحيانًا يكون البعد مجرد نداء خفي يطلب اهتمامًا أعمق، واحتضانًا أكبر.
وعندما نصل إلى تلك العتبة، علينا أن نقرر:
هل نستسلم للسقوط؟
أم نعيد حساباتنا؟
هل نبحث عن مَن يُريحنا؟
أم نصلح المكان الذي تعب معنا؟
فالعلاقات التي تستحق البقاء هي تلك التي لا يهرب أصحابها من الوجع، بل يتعاملون معه. تلك التي يجد فيها كل طرف نفسه بلا تمثيل، بلا خوف، بلا قناع. تلك التي يفهم فيها كل طرف أن الحب ليس كلامًا جميلًا فقط، بل قدرة على حماية العلاقة من نفسها.
في النهاية، العتبة التي تتعثر عندها العلاقات ليست العتبة الأخيرة. يمكن تجاوزها، بشرط أن يمسك كل طرف بيد الآخر بصدق، وأن يعترف الاثنان بأن الحفاظ على العلاقة ليس مهمة فرد واحد، بل مشروع مشترك يحتاج إرادة متبادلة.
العلاقات لا تنهار لأنها ضعيفة، بل لأنها تُترك بلا صيانة.
وكل علاقة تُمنح اهتمامًا، تُزهر.
وكل علاقة يُعاد بناؤها بحب صادق، يمكنها أن تُولد من جديد.
