رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

دكتورة أمل منصور تكتب: مالا يُقال عن ميل الرجل العاطفي خارج إطار الزواج

دكتورة أمل منصور
دكتورة أمل منصور

الحديث عن ميل الرجل المتزوج عاطفيًا إلى امرأة أخرى غالبًا ما يُختزل في كلمة واحدة سهلة ومريحة للجميع: الخيانة. كلمة تحمل قدرًا كبيرًا من الإدانة، وتغلق باب الفهم قبل أن يُفتح، وكأن المشاعر تُدار بزرّ إيقاف وتشغيل، أو كأن القلب كيان منزّه عن التراكمات النفسية والفراغات غير المرئية. هذا التبسيط قد يريح الضمير الجمعي، لكنه لا يفسّر الظاهرة ولا يساعد على تفكيكها، ولا يمنع تكرارها داخل بيوت أخرى.

الرجل الذي يميل عاطفيًا خارج زواجه لا يفعل ذلك دائمًا بدافع الشهوة أو نزوة عابرة، ولا لأن زوجته سيئة بالضرورة، ولا لأن المرأة الأخرى ساحرة خارقة. في الغالب، نحن أمام تفاعل معقّد بين تكوين نفسي قديم، وعلاقة زوجية فقدت جزءًا من معناها العاطفي، وامرأة جديدة استطاعت أن تلمس منطقة مهملة داخله، وبيئة ثقافية ربّت الرجل على الصمت العاطفي لا على التعبير الصحي.

هناك رجال لم يتعلموا منذ الطفولة كيف يعرّفون مشاعرهم أو يطلبون احتياجاتهم العاطفية. تربّوا على فكرة أن الرجولة تعني الصلابة، وأن البوح ضعف، وأن الاحتياج العاطفي شيء يجب إنكاره أو دفنه تحت أدوار اجتماعية جاهزة. هذا الرجل يدخل الزواج وهو يتوقع أن تقوم العلاقة وحدها بسدّ فراغات لم يفهمها أصلًا، وعندما لا يحدث ذلك يبدأ داخله شعور غامض بالاختناق، لا يعرف له اسمًا، لكنه يعرف أنه غير مرتاح.

ومع مرور الوقت، تتحول العلاقة الزوجية عند بعض الرجال إلى مساحة أداء وظيفي أكثر منها علاقة حية. مسؤوليات، التزامات، أدوار، روتين، وأحاديث يومية تدور حول الأبناء والاحتياجات المادية. لا مشكلة في ذلك في حد ذاته، لكن الخلل يظهر عندما تختفي المساحة التي يشعر فيها الرجل أنه مرئي، مسموع، ومقبول دون شروط. الرجل لا يبحث دائمًا عن امرأة جديدة، بل عن نسخة من نفسه يشعر أنها ما زالت قادرة على أن تُحَب.

بعض الزوجات، دون وعي أو سوء نية، ينشغلن عن البعد العاطفي في العلاقة. الضغوط اليومية، الإرهاق، تراكم المسؤوليات، تجارب خيبة سابقة داخل الزواج، أو حتى شعور داخلي بعدم التقدير، كلها عوامل قد تجعل المرأة تنسحب عاطفيًا تدريجيًا. هذا الانسحاب لا يكون صاخبًا، بل صامتًا، ويترك الرجل أمام امرأة حاضرة جسديًا وغائبة شعوريًا، فتبدأ المسافة بينهما في الاتساع دون أن ينتبه أحد.

وفي المقابل، تأتي المرأة الأخرى غالبًا من موقع مختلف تمامًا. لا تشارك الرجل أعباءه اليومية، لا تراه في لحظات ضعفه المنهكة داخل البيت، ولا تربطها به التزامات ثقيلة. هي تراه كما يريد أن يُرى، ويذهب إليها كما يحب أن يكون. تستمع، تُنصت، تُقدّر، تضحك، تُشعره بأنه مرغوب ومفهوم، حتى وإن لم تكن تنوي علاقة كاملة أو مستقبلًا واضحًا. في كثير من الأحيان، ما تقدمه هذه المرأة ليس حبًا خارقًا، بل اهتمامًا بسيطًا في توقيت شديد الحساسية.

الخطورة هنا أن الرجل قد يخلط بين الإشباع المؤقت والارتباط الحقيقي. ما يشعر به تجاه المرأة الأخرى قد يكون استجابة نفسية لجوع عاطفي، لا دليلًا على توافق عميق. لكنه في لحظة الاحتياج، لا يرى هذا الفرق، بل يعيش الانتعاش وكأنه اكتشاف متأخر لجزء ضائع من ذاته.

ولا يمكن تجاهل دور البيئة التي نشأ فيها الرجل. مجتمعات كثيرة تُحمّل الرجل صورة نمطية غير واقعية: أن يكون قويًا دائمًا، متماسكًا، لا يشتكي، لا يطلب، ولا يعترف بنقصه. في الوقت نفسه، تُبرر له الانجراف العاطفي أو حتى العاطفي الخفي تحت مسميات مختلفة، بينما تُدان المرأة بقسوة لو شعرت بالشيء ذاته. هذا التناقض يصنع رجلًا مرتبكًا أخلاقيًا، لا يملك أدوات صادقة لمواجهة مشاعره أو إصلاح علاقته الأساسية.

الميل العاطفي خارج الزواج لا يبدأ فجأة، بل يتكوّن ببطء. يبدأ بصمت طويل داخل العلاقة، بعدم قدرة على الحوار الحقيقي، بمحاولات غير مكتملة للفهم، بخيبات صغيرة لم تُناقش، وباحتياجات أُهملت ظنًا أنها ستختفي وحدها. ومع الوقت، يصبح أي اهتمام خارجي كافيًا لإيقاظ شعور كان نائمًا لا ميتًا.

الأكثر إيلامًا أن كثيرًا من الرجال لا يتوقفون ليسألوا أنفسهم سؤالًا جوهريًا: هل ما أبحث عنه في الخارج يمكن بناؤه في الداخل؟ هل حاولت بصدق أن أُعيد الحياة العاطفية لعلاقتي؟ أم أن الهروب أسهل من المواجهة؟ في المقابل، بعض الزوجات لا ينتبهن إلى أن الإهمال العاطفي لا يُقاس بالخيانة الجسدية فقط، وأن الغياب الشعوري قد يكون بداية تصدّع لا يقل خطورة.

هذا المقال لا يبرر، ولا يبرئ، لكنه يحاول أن يفهم. الفهم لا يعني القبول، لكنه الخطوة الأولى نحو التغيير. العلاقات لا تنهار بسبب شخص ثالث فقط، بل بسبب فراغ سمح له بالدخول. والرجل الذي يميل عاطفيًا خارج زواجه يحتاج قبل أي شيء إلى مواجهة نفسه، لا تبرير ضعفه، ولا تحميل زوجته كل المسؤولية، ولا تعليق خطئه على شماعة الظروف.

وفي النهاية، يبقى السؤال الحقيقي: هل نريد علاقات قائمة على الصمت والتكيّف، أم علاقات ناضجة تقوم على الاعتراف والاحتياج المتبادل والحوار الصادق؟ لأن القلوب التي لا تجد مكانًا آمنًا داخل بيوتها، قد تبحث عنه خارجها، حتى وإن دفعت ثمنًا باهظًا لا يُدرك حجمه إلا بعد فوات الأوان.

تم نسخ الرابط