اللواء د. رضا فرحات يكتب ... إلى أين تمضي المواجهة؟
لم يكن انهيار الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران حدثا مفاجئا بقدر ما كان نتيجة متوقعة لمسار سياسي وأمني افتقد منذ البداية إلى أسس الاستقرار الحقيقي، أما ما عاشته المنطقة خلال الأيام الماضية لم يكن سلاما بالمعنى الكامل، وإنما فترة هدوء مؤقتة فرضتها حسابات كل طرف، في انتظار إعادة ترتيب الأوراق والاستعداد لجولة جديدة من المواجهة، واليوم، مع عودة الضربات العسكرية وتبادل الرسائل النارية، تدخل منطقة الخليج مرحلة أكثر تعقيدا، لا لأنها تشهد تصعيدا عسكريا جديدا فحسب، وإنما لأنها تقف أمام تحول في طبيعة الصراع ذاته، حيث لم يعد الحديث يدور حول أزمة عابرة يمكن احتواؤها، بل حول إعادة رسم قواعد الاشتباك وتوازنات القوة في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.
إن القراءة المتأنية للمشهد تؤكد أن ما يحدث يتجاوز فكرة الرد العسكري المباشر، فكل من واشنطن وطهران يدرك جيدا حدود القوة وحدود المخاطرة، الولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على صورة القوة القادرة على حماية مصالحها ومصالح حلفائها، وعدم السماح لإيران بفرض معادلات جديدة في الخليج أو تهديد خطوط الملاحة الدولية، وفي المقابل، ترى إيران أن أي تراجع في الرد يفسر باعتباره فقدانا لهيبة الردع التي تحاول إثباتها، وهو ما قد ينعكس على نفوذها الإقليمي وعلى صورة النظام داخليا، لذلك فإن الطرفين يتحركان وفق حسابات دقيقة، عنوانها رفع تكلفة المواجهة على الخصم، دون الوصول – حتى الآن – إلى نقطة الانفجار الكامل، وهو ما يجعل المنطقة تعيش حالة شديدة الخطورة، لأن هامش الخطأ في مثل هذه المواجهات يكون ضيقا للغاية، وقد يؤدي أي تقدير خاطئ إلى توسع الصراع بصورة لا يرغب فيها أحد.
وإذا كانت المواجهة تدور بين واشنطن وطهران، فإن الخليج يظل الساحة التي تتحمل النصيب الأكبر من التداعيات، هذه المنطقة ليست فقط مركزا للطاقة العالمية، وإنما تمثل شريانا رئيسيا لحركة التجارة الدولية، وأي اضطراب في أمنها ينعكس فورا على الاقتصاد العالمي، ولذلك فإن دول الخليج تجد نفسها مرة أخرى في قلب أزمة ليست صانعة لها، لكنها تتحمل نتائجها السياسية والأمنية والاقتصادية، كل تصعيد عسكري يعني ارتفاعا في تكلفة التأمين على الملاحة، واضطرابا في حركة الاستثمار، وضغوطا على أسواق الطاقة، فضلا عن المخاوف المستمرة من اتساع رقعة المواجهة لتشمل منشآت حيوية أو ممرات بحرية استراتيجية، وهذه المعادلة تفرض على دول الخليج تحديا بالغ الصعوبة، يتمثل في كيفية الحفاظ على أمنها واستقرارها دون الانخراط في صراع تتجاوز أبعاده حدود الإقليم.
ومن اللافت أن هذا التصعيد يأتي في وقت لم تتوقف فيه المسارات الدبلوماسية بشكل كامل، وهو ما يكشف طبيعة السياسة التي يعتمدها الطرفان، حيث أصبح التفاوض والضغط العسكري يسيران في مسار واحد، الولايات المتحدة تستخدم القوة لتحسين شروطها على طاولة التفاوض، بينما تسعى إيران إلى إثبات أن الضغوط العسكرية لن تدفعها إلى تقديم تنازلات مجانية، وهذه المعادلة تجعل أي حديث عن مفاوضات مقبلة مرهونا بنتائج الميدان، وهو أمر يزيد من صعوبة الوصول إلى تفاهمات مستقرة وأثبتت التجارب السابقة أن الاتفاقات التي تفرض تحت ضغط السلاح تظل معرضة للانهيار بمجرد تغير ميزان القوى أو تبدل الحسابات السياسية، وهو ما يفسر سرعة انهيار الهدنة الأخيرة وعودة التصعيد بوتيرة أكبر.
كما تكشف الأزمة عن تحول مهم في البيئة الأمنية الخليجية، النموذج الذي اعتمد لعقود على المظلة الأمنية الأمريكية يواجه اليوم تحديات غير مسبوقة، ليس لأن الولايات المتحدة تخلت عن التزاماتها، وإنما لأن طبيعة السياسة الأمريكية نفسها تغيرت، وأصبحت أكثر ارتباطا بحسابات الكلفة والعائد، وأقل استعدادا لخوض حروب طويلة ومفتوحة وفي المقابل، تسعى دول الخليج إلى بناء شبكة أوسع من العلاقات والشراكات الإقليمية والدولية، بما يمنحها هامشا أكبر من الحركة ويحمي مصالحها بعيدا عن الاعتماد الكامل على طرف واحد ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى تطوير مفهوم جديد للأمن الإقليمي، يقوم على الحوار، وإدارة الخلافات، ومنع تحول التنافس السياسي إلى مواجهات عسكرية مفتوحة تهدد الجميع.
إن التطورات الحالية تؤكد أن المنطقة تدخل مرحلة إعادة تشكيل لموازين القوى، وليس مجرد جولة جديدة من التصعيد، كل طرف يحاول فرض قواعد اشتباك جديدة تمنحه نفوذا أكبر في أي ترتيبات مستقبلية، سواء فيما يتعلق بأمن الخليج أو بالبرنامج النووي الإيراني أو بخريطة النفوذ في الشرق الأوسط ولذلك فإن المعركة الحقيقية لا تقتصر على الضربات العسكرية، بل تمتد إلى رسم شكل النظام الإقليمي خلال السنوات المقبلة، ومن سيكون صاحب الكلمة الأكثر تأثيرا في معادلات الأمن والاستقرار.
وفي تقديري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحا خلال المرحلة المقبلة هو استمرار سياسة الضربات المحدودة والردود المحسوبة، مع تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة، لأن كلفة هذا الخيار ستكون باهظة على جميع الأطراف، والولايات المتحدة لا ترغب في استنزاف عسكري جديد في الشرق الأوسط، وإيران تدرك أن الحرب المفتوحة قد تعرض بنيتها العسكرية والاقتصادية لضغوط هائلة، بينما تدرك دول المنطقة أن أي مواجهة واسعة ستكون لها آثار كارثية على الأمن والتنمية والاستقرار لكن ذلك لا يعني أن خطر التصعيد قد تراجع، بل على العكس، فكلما استمرت الضربات المتبادلة ارتفعت احتمالات وقوع خطأ في الحسابات قد يدفع الجميع إلى مواجهة أوسع يصعب احتواؤها.
إن ما يحدث اليوم هو إختبارا جديدا لقدرة النظام الإقليمي على التعامل مع التحديات المتراكمة، لأن استمرار الصراع دون أفق سياسي واضح سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف، وسيبقي المنطقة رهينة لدورات متكررة من التصعيد والتهدئة لذلك فإن الحاجة أصبحت أكثر إلحاحا إلى صياغة مقاربة جديدة تقوم على التوازن بين الردع والدبلوماسية، وتحفظ مصالح جميع الأطراف، وتمنع انزلاق المنطقة إلى صراع مفتوح لن يكون فيه منتصر حقيقي، بل ستكون الخسارة مشتركة، ليس لدول الخليج وحدها، وإنما للاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي بأسره.


