مدينة المتوسط المنسية والمقابر الذهبية.. أسرار تخرج من قلب الساحل الشمالي
على امتداد الساحل الشمالي الغربي لمصر، حيث تلتقي زرقة البحر المتوسط بعبق التاريخ، تواصل مدينة مارينا العلمين الأثرية الكشف عن أسرارها التي ظلت مدفونة لقرون طويلة، لتثبت من جديد أن أرض مصر لا تزال تحمل بين طبقاتها صفحات مجهولة من تاريخ الحضارات التي تعاقبت عليها.
وفي ذلك الصدد نجحت البعثة الأثرية المصرية العاملة بالموقع في تحقيق كشف أثري جديد ومهم أسفر عن العثور على 18 مقبرة أثرية، إلى جانب عدد من الدفنات السطحية والتوابيت واللقى الأثرية المتنوعة، بالإضافة إلى الكشف عن امتدادات جديدة لمكونات المدينة القديمة، في خطوة تعزز من مكانة مارينا العلمين باعتبارها واحدة من أهم المدن الساحلية الأثرية على البحر المتوسط.
فيما لا يمثل هذا الكشف مجرد إضافة جديدة إلى سجل الاكتشافات الأثرية المصرية، بل يقدم صورة أكثر وضوحًا عن طبيعة الحياة الاجتماعية والدينية لسكان المدينة القديمة، ويكشف عن حجم التداخل الحضاري الذي شهدته المنطقة خلال العصور الهلنستية والرومانية والبيزنطية.

مدينة على طريق الحضارات
فيما تقع مدينة مارينا العلمين الأثرية على الساحل الشمالي الغربي لمصر، على بعد نحو 100 كيلومتر غرب مدينة الإسكندرية، في موقع استراتيجي جعلها واحدة من أهم المراكز الحضارية والتجارية على ساحل البحر المتوسط.
ويرجح الباحثون أن المدينة هي نفسها مدينة ليوكاسبيس (Leukaspis) التي ورد ذكرها في كتابات الجغرافي اليوناني سترابون، حيث كانت تمثل نقطة مهمة على طرق التجارة البحرية، ومركزًا للتواصل بين مصر والعالم المتوسطي.
وقد ازدهرت المدينة منذ العصر الهلنستي، وبلغت ذروة نشاطها العمراني والاقتصادي خلال القرون الثلاثة الأولى للميلاد، حيث ضمت شبكة متطورة من الشوارع، والمنازل، والمنشآت العامة، والمناطق التجارية، والميناء، إضافة إلى مناطق دفن واسعة تعكس التنوع الثقافي والحضاري لسكانها.
44 مقبرة
منذ اكتشاف الموقع عام 1986 خلال أعمال الإنشاء بمنطقة مارينا، بدأت سلسلة من الحفائر والدراسات العلمية التي كشفت تدريجيًا عن ملامح المدينة القديمة.
ومع الكشف الأثري الجديد، ارتفع إجمالي عدد المقابر المكتشفة بالمنطقة إلى 44 مقبرة، وهو ما يؤكد أهمية الموقع باعتباره أحد أبرز مراكز الاستيطان الساحلية القديمة في مصر.

وأوضح خبراء الآثار أن المقابر المكتشفة حديثًا تكشف عن تنوع واضح في أساليب الدفن، حيث تضم 11 مقبرة منحوتة بالكامل في الصخر (هيبوجيوم)، يصل متوسط عمقها إلى نحو ثمانية أمتار تحت سطح الأرض، بالإضافة إلى سبع مقابر سطحية مبنية من الحجر الجيري.
وتتميز بعض هذه المقابر بحالة حفظ استثنائية، حيث عثر على فتحات دفن مغلقة بألواح حجرية لم تفتح منذ العصور القديمة، وهو ما يمنح الباحثين فرصة نادرة لدراسة الطقوس الجنائزية والمواد المستخدمة في عمليات الدفن.
حكايات الموت والحياة
لم تقتصر أهمية الكشف على المقابر المشيدة، بل امتدت إلى العثور على عدد من الدفنات السطحية المنتشرة في محيط المنطقة الجنائزية، وهو ما يعكس وجود شرائح اجتماعية متعددة داخل المجتمع القديم.
كما كشفت أعمال الحفر عن بئر مياه أعيد استخدامه لاحقًا لأغراض الدفن خلال فترة زمنية لاحقة، وهو اكتشاف يحمل دلالات مهمة حول استمرار التقاليد المحلية وتطورها خلال العصرين البطلمي والروماني.
وتشير هذه الاكتشافات إلى أن سكان مارينا العلمين لم يكونوا مجتمعًا تجاريًا فقط، بل كانوا مجتمعًا متكاملًا له معتقداته وطقوسه الخاصة، التي جمعت بين التأثيرات المصرية القديمة والعناصر القادمة من العالم اليوناني والروماني.
ذهب ورموز جنائزية
ومن بين أبرز ما أسفرت عنه الحفائر العثور على مجموعة متميزة من اللقى الأثرية التي تقدم صورة عن الحياة اليومية والمعتقدات الدينية لسكان المدينة.

وشملت المكتشفات أواني فخارية كاملة وشبه كاملة، وأمفورات كانت تستخدم في تخزين ونقل السوائل والمواد الغذائية، ومسارج للإضاءة، وأطباق، ومذابح وأحواض مصنوعة من الحجر الجيري، إلى جانب عناصر معمارية مرتبطة بالمقابر.
كما كشفت البعثة عن 24 قطعة ذهبية وضعت داخل أفواه بعض المتوفين، وهي المعروفة باسم "اللسان الذهبي"، والتي ارتبطت بالمعتقدات الجنائزية خلال تلك الفترة، حيث كان يُعتقد أنها تمنح المتوفى القدرة الرمزية على الحديث أمام العالم الآخر.
ومن بين هذه القطع الذهبية قطعة على هيئة عين حورس، أحد أشهر الرموز الوقائية في الحضارة المصرية القديمة، والتي ارتبطت بالحماية والشفاء واستعادة التوازن.

شواهد من عصور مختلفة
ومن الاكتشافات اللافتة أيضًا العثور على مذبح من الحجر الجيري لتقديم القرابين، يتميز بواجهة معمارية تحاكي مفهوم "الباب الوهمي" المعروف في العقيدة الجنائزية المصرية القديمة، والذي كان يمثل بوابة رمزية بين عالم الأحياء وعالم الموتى.
كما عُثر على تمثال رخامي غير مكتمل يُرجح أنه يمثل الإلهة أفروديت، وهو ما يعكس التأثيرات اليونانية التي ظهرت في المدينة خلال العصر الهلنستي.
وضمت المكتشفات كذلك شاهد قبر من الحجر الجيري يصور رجلًا جالسًا يحمل طائرًا، بالإضافة إلى عدد من المدامع الزجاجية التي كانت تستخدم ضمن الطقوس الجنائزية.
ومن بين أهم القطع المكتشفة أيضًا تابوت من الجرانيت يبلغ طوله 2.5 متر، لا يزال غطاؤه الأصلي في موضعه، وعُثر بداخله على بقايا عظمية تخضع حاليًا للدراسة العلمية، إلى جانب بقايا تمثال لأبي الهول مصنوع من الجص، وهو ما يؤكد استمرار تأثير الرموز المصرية القديمة داخل المدينة خلال العصرين الهلنستي والروماني.

من موقع أثري لمقصد سياحي عالمي
وأكدت وزارة السياحة والآثار أن الكشف الجديد يمثل إضافة علمية مهمة تسهم في إعادة قراءة تاريخ المدينة وفهم طبيعة سكانها ودورها كمركز حضاري ربط بين مصر والعالم المتوسطي.
وفي إطار خطة تطوير الموقع، يجري العمل على تحويل مارينا العلمين الأثرية إلى وجهة سياحية وثقافية متكاملة، من خلال إنشاء مركز للزوار، ومسارات مخصصة للسيارات الكهربائية والمشاة، ومخزن متحفي، ومقر إداري، ومسرح مفتوح.
ومن المتوقع الانتهاء من أعمال التطوير خلال النصف الأول من العام المقبل، لتصبح المنطقة نموذجًا يجمع بين الحفاظ على التراث الأثري وتقديم تجربة سياحية حديثة.

رسالة من قلب التاريخ
وفي النهاية اوضح اكتشاف مارينا العلمين أن الساحل الشمالي المصري ليس مجرد منطقة سياحية حديثة، بل أرض تحمل ذاكرة حضارية عميقة تمتد لآلاف السنين.
فبين المقابر المنحوتة في الصخر، والتوابيت المغلقة، والذهب الجنائزي، والعمارة المتنوعة، تظهر قصة مدينة كانت ملتقى للحضارات ومركزًا للتجارة والثقافة على شواطئ المتوسط.
ويؤكد هذا الكشف أن الحضارة المصرية لم تكن يومًا حضارة منعزلة، بل كانت دائمًا نقطة التقاء بين الشرق والغرب، وأن كل طبقة تُرفع من رمالها تضيف فصلًا جديدًا إلى كتاب التاريخ الإنساني.



