رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

52 مليار جنيه على المحك.. ما الذي يحدث داخل أروقة التأمين الصحي الشامل؟

ارشيفية
ارشيفية

في مشهد برلماني يعكس تصاعد الجدل حول مستقبل أحد أكثر الملفات حساسية في البنية الاجتماعية للدولة، شهد مجلس النواب المصري مناقشات حادة حول مشروع تعديل بعض أحكام قانون التأمين الصحي الشامل، وسط تحذيرات نيابية من المساس باستدامة المنظومة أو إعادة توجيه مواردها المالية بعيدًا عن الغرض الذي أُنشئت من أجله، باعتبارها إحدى ركائز العدالة الصحية في مصر الحديثة.

وخلال الجلسة العامة، عبّر النائب أحمد فرغلي عن رفضه للتعديلات المقترحة، محذرًا مما وصفه بمحاولات قد تمس جوهر التمويل الخاص بالمنظومة، ولا سيما المساهمات التكافلية التي تُعد – وفق رؤيته – العمود الفقري لاستمرار الخدمة الصحية للمواطنين. وأشار إلى أن إجمالي موارد منظومة التأمين الصحي الشامل يبلغ نحو 242 مليار جنيه، في حين تُقدَّر الحصيلة المتوقعة من التعديلات المطروحة بنحو 52 مليار جنيه، وهو ما اعتبره فارقًا ماليًا يكشف حجم الرهان الدائر حول إعادة توزيع الموارد داخل الدولة.


وفي سياق مداخلته، أكد فرغلي أنه تصدى لمحاولات سابقة – بحسب تعبيره – لتحويل هذه المخصصات إلى إيرادات عامة أو ضريبية لصالح الخزانة، معتبرًا أن ذلك يمثل تهديدًا مباشرًا لفلسفة التأمين الصحي الشامل القائمة على مبدأ الاستقلال المالي والتكافل الاجتماعي، محذرًا من تكرار تجارب سابقة في إدارة أموال نظم اجتماعية كبرى، وما قد يترتب عليها من اهتزاز في ثقة المواطنين بالمنظومة.

كما طالب النائب بضرورة وضع ضمانات قانونية واضحة وملزمة تكفل عدم المساس بحصيلة المساهمات، وتضمن توجيهها حصريًا إلى تمويل الخدمات الصحية للمستفيدين، إلى جانب التأكيد على التوسع في تطبيق المنظومة لتشمل جميع المحافظات، حتى لا تظل العدالة الصحية محصورة في نطاق جغرافي محدود.

وفي المقابل، برزت إشارات داخل النقاشات البرلمانية إلى أهمية الحفاظ على توازن دقيق بين متطلبات التمويل العام للدولة وبين حماية الموارد المخصصة للقطاع الصحي، في ظل اتساع قاعدة المستفيدين وتزايد الطلب على الخدمات الطبية، وهو ما يضع المنظومة أمام اختبار مزدوج يكمن في الاستدامة المالية من جهة، والعدالة الاجتماعية من جهة أخرى.

ومن زاوية أعمق، يمكن قراءة هذا الجدل باعتباره انعكاسًا لتحول أوسع في فلسفة الدولة تجاه مفهوم “الحق في الصحة”، حيث لم يعد الأمر مجرد سياسة خدمية، بل أصبح سؤالًا وجوديًا يتعلق بكيفية توزيع الموارد في مجتمع يوازن بين الضرورة الاقتصادية والحق الإنساني في العلاج. وهكذا، تبدو المنظومة الصحية اليوم كأنها تقف عند مفترق طرق بين منطق الأرقام ومنطق الحياة نفسها، بين ما يُدار في دفاتر الحسابات وما يُقاس في ميزان الكرامة الإنسانية.

تم نسخ الرابط